نور أبو عيشة
غزة - الأناضول
حالة من التوتر تسود منزل الطفل عيسى خليل (14 عامًا)، في مدينة الخليل بالضفة الغربية، بعد اختفاء "عيسى" في ظروف غامضة منذ ساعات الظهيرة.. إنها العاشرة والنصف ليلا، يدق جرس الهاتف في غير موعده، فتجيب أم عيسى: "ألو.. من المتكلم".. يردُّ المتصل دون مقدمات: "أنا ضابط المخابرات الإسرائيلي.. عيسى في مركز كريات أربع، جنوب الضفة، للتحقيق، وكّلي له محاميًا"، ثم يغلق الضابط خط الهاتف على الفور.
كلمات ضابط التحقيق أربكت أم عيسى، فتمتمت: "هل هي مزحة خفيفة يفتعلها أصدقاء عيسى، أم أن المتصل هو ضابط إسرائيلي بالفعل؟"، ثم سارعت لمهاتفة مكتب "الشكاوي" لتعرف صحة الخبر، فيؤكدون لها وجود "عيسى" في قبضة الجيش الإسرائيلي.
وتروي أم عيسى قصة "اختطاف" ابنها، لمراسلة وكالة الأناضول بغزة، قائلة عبر الهاتف: "أبلغني البعض أن قوة إسرائيلية خاصة، جاءت بسيارة غير عسكرية، واختطفت عيسى بينما كان يسير نحو المنزل، ووجهت له تهمة إلقاء الحجارة على الجنود الإسرائيليين".
وأوضحت أنهم وكّلوا لعيسى محاميًا، فقال له عندما شاهده: "إذا أردت أن تخرج من السجن، فرد على سؤال القاضي عندما يسألك (هل أنت مذنب) بـ:(نعم أنا مذنب)، بالإضافة إلى أنك ألقيت الحجارة على الجنود".
وبعد هذا الاتهام الرسمي الذي وقع على عيسى مؤخرا، حكم بالسجن عليه لمدة شهر، مع دفع غرامة مالية تقدر بـ 700 شيكل (200 دولار)، إضافة إلى حكم 6 شهور لمدة ثلاث سنوات "تنفيذ".
ويقصد بهذا الحكم أنه إذا تم القبض على عيسى من تاريخ صدور الحكم وحتى ثلاث سنوات، فسوف يتم حبسه لمدة 6 أشهر.
وذكرت أم عيسى أن ابنها بات سلوكه مغايرًا بعد خروجه من السجن، حيث يرفض الجلوس مع الآخرين، ويحب الانفراد بنفسه والبقاء وحيداً، كما أن النوم يأخذ معظم وقته، ولا مكان للدراسة في يومه.
وكان للفتى محمد الفاخوري، بإحدى مدن الضفة، (13 عاماً) قصة أخرى في السجون الإسرائيلية، ففي تمام الساعة السابعة والنصف صباحاً، من يوم دراسي جديد، تجهّز له محمد جيداً، وبعد أن انتهى من ترتيب كتبه المدرسية، ارتدى الحقيبة على ظهره، واتجه نحو أمه وقبّل رأسها، وقال لها "دعواتك المباركة يا أمي"، واتجه نحو الباب ليغادر المنزل.
فما إن فتح الباب، حتّى توجهت نحوه قوة خاصة من الجيش الإسرائيلي، تسأله "أنت محمد الفاخوري؟"، فيجيب: "نعم.. ماذا هناك؟"، فيقول له الضابط :"هيا تعال معنا، أنت رهن الاعتقال".. فصرخ محمد بأعلى صوته "يا أمي، أخذتني إسرائيل للسجن"، بحسب حديث أيمن الفاخوري شقيق محمد لمراسلة الأناضول.
وبحسب أيمن، فإنه بعد أن قيّد الجنود يدي محمد، وعصبوا عينيه، اقتادوه إلى مركز "عتصيون" قرب بيت لحم، للتحقيق، وخضع تحت تعذيب ضباط المركز مدة 12 يوما، حيث استعمل الضباط أساليب التحقيق التي يستعملونها مع الأسرى البالغين، فتعرض للضرب وللأساليب النفسية القاسية.
وأوضح شقيق محمد، أن أخاه خرج بكفالة مالية تقدّر بـ 1000 شيكل (300 دولار) من سجن عوفر، قرب رام الله وهو بحالة صحية ونفسية صعبة.
وأضاف: "أول كلمة نطقها محمد بعد خروجه من السجن، (لا أريد الذهاب إلى المدرسة)، لأن الجيش الإسرائيلي اعتقله أثناء ذهابه إليها".
وفي السياق ذاته، قالت مسؤولة الإعلام بنادي الأسير الفلسطيني بالضفة الغربية، أماني سراحنة، إن إسرائيل خصصت للأطفال الأسرى ثلاثة سجون هي "عوفر، وهيشرون (شمال إسرائيل)، ومجدو، (شمال غرب مدينة جنين بالضفة الغربية)".
وأوضحت سراحنة، لمراسلة الأناضول، أن إسرائيل تعتقل 200 طفل وفتى، تقريباً، شهرياً، تترواح أعمارهم ما بين (13-18عاما).
وأشارت إلى أن الجيش الإسرائيلي يحقق مع الأطفال بشكل غير رسمي ويعرضهم للتعذيب، قبل وصولهم إلى مراكز التحقيق الإسرائيلية، ويتم ذلك داخل المركبات الإسرائيلية وفي طريقهم من منزل الطفل وحتّى مركز التحقيق.
وذكرت سراحنة أن منطقة العيسوية بالقرب من مدينة القدس، ومدينة رام الله، وبيت دمّر، من أكثر المناطق التي يتعرض أطفالها للاعتقال بـ"وحشية".
من جانبه، قال الباحث والمختص بشؤون الأسرى، عبدالناصر فروانة، إنه منذ عام 2000 وحتى اليوم، اعتقلت إسرائيل أكثر من 9 آلاف طفل فلسطيني، ولا يزال 235 طفلا وفتى داخل السجون الإسرائيلية.
وأوضح، لمراسلة الأناضول، أن اعتقال الأطفال على مدار السنوات الأخيرة كان بمختلف الأعمار من سن الـ(13) وحتى الـ(18)، مشيرًا إلى أن العام الماضي شهد ارتفاعًا في نسبة اعتقال الأطفال بنسبة 26% عن الأعوام السابقة.
وعن الظروف الحياتية التي يعيشها الأطفال منذ لحظة الاعتقال وحتى وصولهم معتقل عوفر- في الغالب - أكد فروانة أن ظروف اعتقال الأطفال مشابهة تماماً للظروف التي يتعرض لها الأسرى الكبار في السن من ملاحقات وتعذيب.
وأوضح فروانة أن الجيش الإسرائيلي اعتاد – في الآونة الأخيرة - على اقتياد الأطفال الأسرى إلى المستوطنات لتعذيبهم "فقد حوّلت إسرائيل المستوطنات إلى مراكز تعذيب، يتعرض فيها الأطفال للضرب بالبنادق والأيدي، والأرجل،وبالعصي الكهربائية أيضا".
وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي أثناء نقل الطفل إلى مركز التحقيق عبر المركبة "يجعلون نصف جسد الطفل خارج المركبة، والنصف الآخر منه داخل المركبة، وينطلقون بسرعة هائلة ويتركون الطفل على حافة الخوف والألم".
وذكر فروانة أن ظروف سجن الطفل الفلسطيني هي "نفس" ظروف سجن البالغين.
ولفت فروانة إلى أن أعمال العنف التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي مع الأطفال تؤثّر على تكوينهم الجسدي والنفسي والفكريّ أيضاً، بصورةٍ تجعل بعض الأطفال بعد خروجهم من السجن "عالة" على المجتمع، وذلك نظراً لعدم وجود تأهيل نفسي لهم.
وعن شهادات المحامين الذين يوكّلون للدفاع عن الأسرى الأطفال، قالت المحامية بنادي الأسير، جاكلين فرارجة، "إن إسرائيل تأخذ الاعترافات والمعلومات من الأطفال تحت ضغط التعذيب والتهديد".
وذكرت، لمراسلة الأناضول، أنها وكّلت للدفاع عن أطفال "ظهر جلياً على أجسادهم آثار التعذيب والبطش الإسرائيلي، فكانت أجسادهم مليئة بالكدمات الزرقاء، خاصة في منطقة حول العينيين والظهر والبطن".
وعن المواقف التي تعاملت معها على أنها "شروع بالقتل" من قبل الجيش الإسرائيلي للأطفال، قال جاكلين: "اعتقل الجيش الإسرائيلي مجموعة من الأطفال في قرية العيسوية (بالقدس)، مؤخراً، فقاموا بتقييدهم، واقتادوهم نحو تلة عالية، ومن ثم أوقفتهم على نفس المستوى، لتدفع بهم أسفل التلة، ليصاب الأطفال بكدمات وجروح متوسطة".
وعن شهادات ناشطين بقضايا الأسرى بالضفة الغربية، قالت الناشطة ميسرة عطياني - وهي أسيرة محررة- لمراسلة الأناضول إنها كانت تشاهد الأطفال الأسرى يقومون بأعمال النظافة داخل السجون، ويتعرضون للكثير من الإهانات من قبل إدارة مصلحة السجون.
ولم يتسن الحصول على تعليقات رسمية من السلطات الإسرائيلية حول شهادات الحقوقيين والنشطاء حول هذا الأمر.
news_share_descriptionsubscription_contact
