دمشق - الأناضول - فاطمة كوثر
كانت العاصمة السورية دمشق تعيش حصارًا خانقًا مفروضًا عليها منذ أشهر، جعل الأهالي لا يفكرون بالعيد ولا بمظاهر الاحتفال به ، والاكتفاء فقط بزيارة قبور شهدائهم، هذا إذاعرفوا مكان دفنهم، فكثير من الجثث دفنت دون معرفة هوية صاحبها.
وفي محاولة منا، كصحفيين ايجاد ثغرة نخرق بها الحصار للدخول إلى أحياء العاصمة الجنوبية، اضطررنا لتجاوز عوائق كثيرة، تصل في بعض الاحيان حد التعرض للقتل، فكل صحفي مطلوب أمنيًا، ومجرد حمل كاميرا صغيرة يعد جريمة في نظر النظام، ولا بد من معاقبة حاملها وقتله ومن ثم حرقه أو تقطيعه خصوصا اذا كان من الصحفيين السوريين النشطاء.
صباح العيد، الأحياء الدمشقية الجنوبية، القدم وعسالي والحجر الاسود بجانب مخيم اليرموك،شهدت قصفًا عنيفًا، فقررنا زيارة القبور كما يفعل السوريون، واخترنا مقبرة مخيم اليرموك، التي يدفن فيها اهالي دمشق موتاهم، وبداية كان لابد من التوجه صوب المخيم الفلسطيني الحزين، الذي فقد في رمضان 180 قتيلًا سقطوا بفعل القصف، وبعد رمضان قتلت القوات الحكومية في داخله 29 فلسطينيًا اعدموا ميدانيًا، وكل القتلى مدنيون، عبرنا شوارع المخيم الكئيب، بعض البيوت كانت مدمرة، قرب مستشفى المخيم كانت هناك عيادة طبية تعرضت للقصف الشديد، دخلنا شارع العروبة، فلم نجد فيه غير الاطفال يبيعون الزهور ونبات الآس، تحس في اعينهم الحزن والشفقة، كان الجو باردا وكانت ملابسهم بسيطة يرتجفون من شدة البرد ولا يجدون ما يلبسون .
دخلنا الى المقبرة كان الامر مهيبا، هذه المقبرة فيها رفات الاف الشهداء الفلسطينيين والسوريين وهي تضم شهداءً فلسطينيين قتلوا في لبنان إبان الحرب الأهلية، وقسم كبير منهم قتل بيد الجيش السوري هناك بمعارك عديدة.
الفلسطينيون في مخيم اليرموك يستقبلون أعيادهم، بدمعات قليلة، تمتزج مع نبتة "الآس" وتوضع فوق قبور أحبابهم.
علمنا أن لمقبرة اليرموك خصوصية تختلف عن غيرها، فللمرة الأولى تنبش قبور الموتى ليدفن شهداء جدد آخرون مكانهم، لم تعد المقبرة تتسع المزيد من القتلى، شهداء الثورة السورية.
حين تجتاز بوابة المقبرة تواجهك ساحتها التي عرفت بمكان لأنشطة الفصائل الفلسطينية، كانت ساحة للاحتفال بالشهداء، لكنها تحولت إلى مدافن للشهداء.
هنا في اول المقبرة نشاهد تجمعا كبيرا لنساء ورجال واطفال ايتام، بجانب قبور عشرات الفلسطينيين الذين ماتوا بايدي النظام والشبيحة، هنا ترى الدموع والموت والبكاء، هنا ترى الاحزان وترى الاسئلة على وجوه الاطفال وعيونهم الباكية، من الصعب ان لا نبكي، ومن الأصعب ان نخفي دموعنا...
يا الله اليوم شاهدنا مئات الايتام استفاقوا صباحا، جاؤوا ليقفوا بجانب قبور ابائهم وامهاتهم.
يا الله.. هذا قبر طفل فلسطيني عمره 11سنة.. وهذا اقل.
خرجنا من مخيم اليرموك، وتركنا الحزن وراءنا وتوجهنا الى حي الميدان الدمشقي القريب، كان خاليا الا من حواجز الشبيحة المنتشرة في كل زاوية منه، ويعد كابوسا لكثير من السوريين، فهنا يقتلون الناس على الحواجز ويسلبونهم اموالهم، لم نجد في حي الميدان ما كنا نراه في كل عام ... كان اهم معالم دمشق في العيد، لان الحلوى الدمشقية الرائعة تجدها في حي الميدان، كانت المحال لا تزال مغلقة والناس خائفون ولا يثقون بالهدنة.
من الميدان الى حي ركن الدين ، المكان شبه خال، إلا من عابر طريق يجتازه مسرعا مخافة البقاء فيه أكثر والانتهاء في أقبية الفروع الأمنية، إن لم يتحول إلى جثة مجهولة الهوية في حي آخر لاحقًا..
ظهرا خرج الاطفال، شيئا فشيئا الى ساحات العيد، وعند العصر دوى انفجار هائل شاهدنا الدخان من منطقة ركن الدين وسمعنا صوته الهائل...
حاولنا الذهاب هناك، كانت الطرقات مغلقة، والامن يطلق الرصاص..
حملت الهاتف اتصلت بصديق لنا في الزاهرة، كان يبكي ويقول انظروا لقد فجروا سيارة في ساحة عيد الاطفال في حي الزهور وقتلوا الاطفال ودمروا مسجد عمر بن الخطاب.
اغلقت الهاتف وبقيت اشاهد الدخان بصمت وحزن ودموع.