هبة زكريا
القاهرة- الأناضول
يتناثر الرجال على امتداد الحقل المحروث (الذي تم تقليب تربته استعدادًا لزراعة محصول جديد) لإعداد الأضحية للذبح لتبدأ على الفور لحوم ودماء الأضحية رحلة ذات مناسك وتقاليد خاصة في الريف المصري.
ورصدت مراسلة وكالة الأناضول للأنباء المحطات الرئيسية اللحظات الأخيرة لرحلة الأضحية بقرية سنجلف بمحافظة المنوفية بالدلتا شمال القاهرة، والتي تبدأ بتلقف النساء في أوان معدنية واسعة أحشاء الأضحية لغسلها بمياه ماكينة الري المتدفقة على رأس الحقل.
أما الرجال فقد انهمكوا في العمل على أجزاء الأضحية المعلقة على الأشجار بعد سلخها، كل اثنين منهم يعملون على تشفية (الفصل بين العظم واللحم) جزء من الأضحية، بينما استقل آخران برأس الذبيحة ليستخرجا منها ما يصلح للأكل.
أما الأطفال فانكبوا كل مجموعة على رجل من أرجل الأضحية الأربع والتي يصنع منها المصريون أكلة شعبية شهيرة تسمى "الكوارع".. وراحوا يجردونها من الجلد والشعر والحوافر.
في حين اجتمعت فتيات العائلة في الدار القريبة بانتظار "الإطعام" (جزء من لحم الأضحية) ليعملن على طهيه.. فذهبت مجموعة تقطع البصل والفلفل وأخرى تشعل النار وثالثة تعد المشهيات والسلطات.. ورابعة بقيت بجوار الأضحية ليحملن الإطعام ويقطعنه إلى قطع صغيرة، لا تستغرق وقتًا طويلاً في الطهي، ليتمكنّ من إعداد الطعام سريعًا للمنشغلين في الذبح منذ الصباح.
والإطعام هو كمية من لحم الأضحية، تأخذ من كل جزء في جسمها سواء البطن والفخذ والكبد والرأس وغيرها، يطهى ليأكل منه كل من حضر الأضحية قبل أن ينفضوا وينشغلوا بالتوزيع على الفقراء.
وهناك في ركن قصي جلس أحد القائمين على الذبح ومعه ورقة طويلة وقلم راح يحصر فيها أسماء الفقراء والأقارب من أهل القرية، وبجواره ميزان ومجموعة من الأكياس، استعدادًا لتعبئة ما سيتم توزيعه من الأضحية على مستحقيه.
وهذه المهمة هي من نصيب أطفال العائلة الذين يقومون بالانتشار في أرجاء القرية لتوزيع لحوم الأضحية على من وردت أسمائهم بالقائمة قائلين ببهجة طفولية "هذا نصيبكم من أضحية فلان ابن فلان.. وكل سنة وأنتم طيبين"، فيجيبهم متلقي الأضحية بقوله "كل سنة وهو طيب.. ربنا يخليه (يديمه) لأولاده.. وعقبال السنة اللي جاية (إن شاء الله يضحي أيضاً العام القادم)".
هذه اللقطات المتفرقة ترسم المشهد الأخير من رحلة الأضحية في ريف مصر، والتي "يتجاوز أجرها - بحسب نادية حسين (56) عاماً- اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيدنا إبراهيم عليه السلام إلى صلة أرحام وبر والدين وإطعام واستشفاء وترفيه عن الأطفال وأحياناً زواج".
وتروي نادية من ذات القرية ولكنها تقيم في العاصمة القاهرة، بقية المشهد في رحلة الأضحية وملامح خصوصيتها في ريف مصر بأن النساء يقمن قبل إعداد الطعام بتلطيخ الأقدام بدماء الأضحية بغرض الاستشفاء.
وتقول لمراسلة الأناضول "قدمي تؤلمني منذ فترة، وقد علمت أن غمسها في الدم الساخن فور خروجه من الذبيحة قد يساعد في شفائها، وهذا ما فعلته بعد النحر".
وتشير نادية إلى مآرب أخرى في جولة الأضحية قائلة "ابنة أخي، شاهدها أحد شباب القرية الذي جاء ليساعد أخوها ووالدها في ذبح أضحيتنا العام الماضي، وأعجب بها، وبشطارتها (مهارتها)، فتقدم إليها وتمت خطبتهما مؤخرا فأين هذه الأجواء الجميلة مما يحدث في المدينة من ذبح الأضحية لدى الجزار في صمت ووحدة".
وتختتم نادية حديثها قائلة "إن شاء الله سأظل أضحي في القرية، فللأضحية هنا طعم آخر وأجر مضاعف.. وكما قال سيدنا موسى عليه السلام لربه (ولي فيها مآرب أخرى)".