غزة - الأناضول
نور أبو عيشة
يتنقل المزارع عاطف قديح (47) عاماً من نقطة إلى أخرى في أرضه الزراعية الواقعة في منطقة خزاعة، شرق خان يونس في قطاع غزة، وعيناه تلتفتان يميناً وشمالاً متخوفًا من شبح الموت الذي من الممكن أن يواجهه في أي لحظة، بعد أسبوع من الغارات والقصف الإسرائيلي الدامي على القطاع.
ويشهد قطاع غزة بدءًا من اليوم الأحد هدوءًا نسبيًا حذرًا، بعد أسبوع من التصعيد العسكري بدأ الاثنين الماضي وأسفر عن مقتل 16 فلسطينيًا وجرح العشرات.
وتكاد شريحة المزارعين أن تكون الأكثر تأثرًا من مجموع السكان بأي مواجهة مسلحة تحدث في القطاع، نظرًا لأن غالبية الأراضي الزراعية تقع بمحاذاة الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل.
وتقع أرض قديح على بعد (600-700) متر من الحدود الشرقية، التي تفصل قطاع غزة عن أراضي 48، وتضم الأرض مجموعةً من المساحات المزروعة بمحصول الطماطم (البنادورة)، وأيضاً مزرعة دواجن.
ويتمركز الجيش الإسرائيلي على تلك الحدود، بحيث يضع نقطةً للمراقبة، بالإضافة إلى وجود دبابات عسكرية.
وبين الفينة والأخرى والتي لا تتجاوز العشرَ دقائق، يلقي قديح ما يقوم بتجهيزه من معداتٍ زراعية وأدوات خاصة بمزرعة الدواجن، ويفرُّ هارباً، كلّما رأى سيارة عسكرية إسرائيلية تتقدم صوبَ أرضه.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فالجيش الإسرائيلي لا يكلّ من إطلاق نيران رشاشاته باتجاه مزارعيه، مما يدفعه إلى ترك المزرعة لعدةِ أيام في أوقات التصعيد.
وقال قديح لوكالة "الأناضول" للأنباء "في التصعيد الأخير على القطاع، أطلق الجيش الإسرائيلي نيرانه تجاهنا، فعطّلت نيرانه أنابيب المياه و(النايلون) الذي استخدمه لحماية الدواجن من أشعة الشمس".
وذكر أن عمله تأخر لمدة ثلاثة أيام بسبب تقدم الجيش الإسرائيلي قريباً من مزرعته، مما صعّب طريقة وصوله للمزرعة، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يفرّق بين المدني والعسكري في القطاع.
وأوضح قديح أنه قبل فترة شهر على الأقل أصيبت "رناد قديح" (33) عاماً بنيران الجيش الإسرائيلي أثناء عملها داخل المزرعة.
وأما المواطن مراد قديح، فلم يكن نصيبه من الجيش الإسرائيلي أقلُّ حظّاً، بحيث قضى الجيش الإسرائيلي على أرضه الزراعية الواقعة في منطقة خزاعة.
وأوضح أن الجيش الإسرائيلي حرق حوالي سبعة دونمات مزروعةً بالشعير قبل شهرٍ تقريباً، مشيرا إلى أن أرضه في هذه الفترة فارغةً غير مزروعة.
وقال قديح "حتّى بعد حرق الأرض وفي التصعيد الأخير، يطلق الجيش الإسرائيلي نيرانه تجاه أي مواطن يدخل تلك الأراضي، وفي أيام الحصاد السابقة جاء برفقتنا مجموعة من الأجانب لحمايتنا من نيران الإسرائيليين، إلا أن إسرائيل لم تحترم وجودهم وأطلقت النار علينا وعليهم".
وفي السياق ذاته، ذكر المستشار الإعلامي لوزارة الزراعة في قطاع غزة فايز الشيخ أن القطاع الزراعي في حالة استهداف دائم من قبل الجيش الإسرائيلي، وأنه في أوقات التصعيد العسكري على القطاع يتم استهدافه بشكل مبرمج وموجّه.
وأوضح الشيخ أن استهداف القطاع الزراعي لا يتوقف على قصف الأراضي الزراعية للمواطنين، إنما استهداف مزارع الدواجن أيضاً، ومناطق التماس الحدودية بين قطاع غزة وإسرائيل، بالإضافة إلى استهداف الصيادين في عرض بحر القطاع.
وقال الشيخ لوكالة "الأناضول" للأنباء "استهداف الجيش الإسرائيلي لمناطق التماس، للصيادين، نابع من رغبته في زيادة مساحة المناطق العازلة بين القطاع وأراضي 48".
وأردف قائلا "في كل تصعيد عسكري على القطاع، يزيد الجيش الإسرائيلي من المساحة العازلة بين الحدود وأراضي 48، وأيضاً يزيد من المساحة البحرية العازلة، وحتّى الآن لا يمكن لوزارة الزراعة إحصاء الزيادة الحاصلة في تلك المساحة، نظراً لاستمرار التصعيد حتّى هذه اللحظة".
وعن نسبة الأضرار التي خسرها القطاع الزراعي نتيجة التصعيد الأخير على القطاع، أشار الشيخ إلى أنه مع كل تصعيد إسرائيلي، تقوم الطواقم الفنية والإدارية التابعة لوزارة الزراعة بإحصاء الأضرار التي تنتج عن تدمير القطاع الزراعي، ولكن تصاعد وتيرة الأحداث واستمرارها يحول دون إحصاء العدد النهائي.
وذكر الشيخ أن المناطق الزراعية على طول الشريط الحدودي شرق وشمال قطاع غزة هي الأكثر استهدافاً من قبل الجيش الإسرائيلي، موضحاً أنه في حالة التهدئة تتعرض هذه المناطق أيضاً إلى استهداف مباشر من قصف وتجريف للأراضي.
ويفرض الجيش الإسرائيلي المتواجد على حدود الشريط الساحلي منطقة أمنية بعمق يتراوح ما بين 300 إلى 500 متر، يمنع دخول السكان إليها على طول الحدود الشمالية والشرقية التي تفصل قطاع غزة عن إسرائيل، ويطلق النار على من يقترب منها.
وأكد الشيخ أن وزارة الزراعة لديها خطة طوارئ عاجلة للتعامل مع التصعيد العسكري والإجتياحات الإسرائيلية، وهذه الخطة تأتي في إطار دعم المزارعين في خطوط التماس، بحيث تسجل الوزارة الأضرار والخسائر التي تكبدها المزارع، وتقدمها في صورة تقارير للجهات المانحة للقطاع الزراعي.
وأشار إلى أن التعويض المقدم للمزارع يمثل جزءً بسيطاً من الخسائر المستمرة التي يتعرض لها في كل تصعيد إسرائيلي.