حازم بدر
القاهرة – الأناضول
"بائعو الشاي وحمص الشام والبطاطا والفول السوداني جزء لا يتجزأ من كورنيش النيل في القاهرة".. بهذه العبارة أعرب المهندس علي فتحي عن رفضه للحملات التي تشنها الشرطة من حين لآخر لطرد هؤلاء الباعة من الرصيف المطل على النيل "كورنيش النيل" بالعاصمة المصرية.
فتحي، الذي كان يجلس ليلا فوق سور الكورنيش ممسكا بقطعة من البطاطا، قال لمراسل الأناضول وهو يأكلها باستمتاع "أحيانا أتساءل إذا لم يكن هؤلاء على الكورنيش، هل كنت سأستمتع بتناول البطاطا التي هي من ألذ الأطعمة بالنسبة لي وأنا جالس أمام صفحة النيل الجميلة؟".
وعلى مقربة منه يقف هاني متوكل، سائح من اليمن وبجواره شقيقه.. قالا بلهجة ملؤها الحماس "لا يمكن أن نزور القاهرة دون المرور عليه، فهذا المكان يبعث على الراحة النفسية".
ومثل فتحي، يرى الاثنان أن الباعة على الكورنيش جزء لا يتجزأ من المشهد، وقال هاني متوكل وهو يشير إلى الباعة "لو انتزعت هؤلاء منه، سأشعر أني أسير على كورنيش آخر غير كورنيش نيل القاهرة".
تفصيلة أخرى من تفاصيل مشهد الكورنيش بدا ياسر محمد (35 عاماً) مهتمًا بها، وهي أصوات المطربين الصادرة من المراكب التي تسير بالنيل.
ياسر الذي يقف على الكورنيش وبجواره زوجته وأبنائه الثلاثة، قال لمراسل "الأناضول" للأنباء وهو يتبادل الابتسامات مع زوجته "الأغاني التي أسمعها تذكرني بمرحلة ما قبل الزواج، عندما كنت أسير مع خطيبتي على الكورنيش نردد معا ما نسمعه من أغانٍ".
ورأى ياسر أن مشهد الكورنيش بالباعة الجائلين وأصوات المطربين يحتاج إلى "رتوش بسيطة لكي يصبح كامل المتعة" على حد تعبيره، معتبراً أن أهم هذه "الرتوش" يتمثل في "تعديل سلوك بعض الباعة الجائلين".
وقال وهو يشير إلى مشاجرة نشبت بين اثنين من الباعة "لا أعترض على وجودهم، ولكن أعترض على مثل هذه السلوكيات".
سلبية أخرى قال محمد ونيس إنها مستفزة وهي قيام أصحاب السيارات الخاصة الذين جاءوا للاستمتاع بالكورنيش ليلا بوضع سياراتهم ملاصقة للرصيف، مما يؤدي لزحام وتعطيل حركة المرور على كورنيش النيل بالقاهرة الذي يمتد بطول حوالي 50 كيلومترًا من حلوان جنوبا حتى شبرا الخيمة شمالا.
وقال وهو يضع يديه حول عنقه "أنا اختنقت من زحمة القاهرة، والكورنيش فرصة حتى نفك هذا الاختناق، لا لنعود إليه".
وتخلي أصحاب السيارات الخاصة عن هذا السلوك يعيد لمشهد الكورنيش رونقه وجماله بنسبة كبيرة، بحسب ونيس.
رؤية من منظور مختلف لإصلاح المشهد يطرحها عمرو محمود، العائد لتوه من ألمانيا، والذي بدا متأثرًا بسلوك "المتسولين".
محمود قارن بين أداء المتسولين بمصر وأدائهم في ألمانيا، قائلاً "هم في ألمانيا يؤدون حركات تمثيلية كأن يقف أحدهم كتمثال فإذا أعطيته مالاً انحنى، لكن هنا يطاردك لتضطر أن تعطيه حتى تتخلص من صداعه".
وتساءل "لماذا لا يتعاملون في مصر بنفس الأسلوب، هذا يجعل الكورنيش رحلة ممتعة بحق فالقاهرة ليلا تبدو ساحرة خصوصا عندما تقف على الكورنيش فتشعر أنها مدينة أخرى غير القاهرة بالنهار حيث تقل الضوضاء والزحام".
ما قاله محمود اتفقت معه سالي المهدي، أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة البريطانية بالقاهرة، قائلة للأناضول "ما يفعله المتسولون في ألمانيا هو تعبير عن حضارة شعبهم، وكورنيش النيل في مصر بحاجة إلى أن يعكس حضارة مصر".
وأضافت "مصر لديها حضارة عظيمة، لماذا لا يتم التعبير عنها مع الاحتفاظ بوجود الباعة الجائلين حتى يكون الكورنيش ممتعًا للمصري والأجنبي".
واقترحت المهدي ارتداء الباعة الجائلين لأزياء فرعونية تعكس الحضارة الفرعونية التي كانت تبجّل النيل، وأن يخضع وجودهم على الكورنيش لرقابة صارمة من الجهات المختصة لضمان ضبط سلوكياتهم.
وقالت "بذلك يمكن إصلاح سلبيات مشهد الكورنيش في مصر، ليصبح معبرًا عن حالة مصرية مميزة".
ويعتبر شارع كورنيش النيل أهم وأطول شوارع القاهرة، شيّده الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تطل عليه العديد من الفنادق الراقية وتحيط به العديد من المباني ذات التاريخ الكبير مثل مبنى الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو)، وعلى مقربة منه مبنى جامعة الدول العربية وميدان التحرير الذي انطلقت منه ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.
ويشهد كورنيش النيل زحامًا شديدًا في المناسبات والأعياد، حيث يتوافد عليه مئات الأسر للاستمتاع بالطبيعة وركوب القوارب وعمل رحلات نيلية على أنغام الموسيقى والإضاءة الملونة بتكلفة بسيطة مما يزيد من نسبة الإقبال وخاصة من الشباب.