القاهرة/ الأناضول/ حازم بدر - قبل أن يصبح مسجد السلطان حسن بمنطقة القلعة، في قلب القاهرة، مجرد أثر يرتاده الزوار من مصر وخارجها للاستمتاع بكونه تحفة معمارية فريدة، كما فعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما في زيارته للقاهرة قبل أربعة أعوام، فإنه كان قبل ذلك مسجدا جامعا لا يقتصر فقط على شعائر الصلاة، بل يتعدى هذا الدور للقيام بأدوار طبية وتعليمية في المجتمع.
هذا المفهوم الذي دشنه السلطان حسن، قبل ما يقرب من 650 عاما، إلى جانب تدشينه للمسجد كمبنى، استعادته إدارة المسجد برئاسة الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية السابق ورئيس مجلس إدارة المسجد الجمعة الماضي، من خلال افتتاح مستشفى تابعة له وعمليات التجديد التي أجريت للمدرسة المالكية الملحقة به.
وفي تصريحات خاصة لمراسل الأناضول قال الشيخ خالد حماية إمام المسجد: " هذا الإنجاز وأعمال أخرى نقوم بها من خلال مجموعة أطلقت على نفسها اسم (منارات السلطان حسن) ، ويهدف إلى محاولة استعادة الدور التنويري الذي كان يلعبه المسجد".
وكشف الكاتب الراحل حسن عبد الوهاب المولود في عام 1898 والمتوفي عام 1967 عن هذا الدور في كتاب له بعنوان " مسجد السلطان حسن "، وقال: " المسجد كان نموذجا فريدا للمسجد الجامع الكبير، حيث تم تأسيسه وانتظم العمل فيه ليقوم بأهم الأعمال في المجتمع المسلم من تعليم العلم، وعلاج الناس، وغير ذلك الكثير".
ويذكر عبد الوهاب في كتابه أن السلطان حسن عين طبيبين للمسجد، أحدهما باطني والآخر للعيون، يحضر كل منهما كل يوم بالمسجد لعلاج من يحتاج من الموظفين والطلبة.
وعلى نفس النهج تقدم المستشفى التي افتتحتها إدارة المسجد – مؤخرا - خدماتها بأسعار رمزية من خلال خمس عيادات تخصصية، كما يقول الشيخ حماية.
وإذا كانت مصر تعاني من خلافات في الآراء بين التيارات المختلفة، وهو الأمر الذي يمتد – أحيانا – إلى الشارع لتحدث اضطرابات وأحداث عنف، فإن المسجد في خدماته التعليمية بالماضي قدم نموذجا لكيفية التعايش بين أصحاب المذاهب المختلفة.
ويقول حسن عبد الوهاب في كتابه عن نظام التدريس بالمسجد: " قرر السلطان حسن لكل مذهب من المذاهب الأربعة الرئيسية في الإسلام شيخا ومائة طالب، وحدد لكل شيخ راتبا حسب وظيفته، وعين مدرسا لتفسير القرآن، وعين معه ثلاثين طالبا، وعين مدرسا للحديث النبوي، وخصص له راتبا قدره300 درهم .".
وفي محاولة لاستعادة هذا المناخ، جاء افتتاح المدرسة المالكية بعد تجديدها بتكلفة تقدر بـ 350 ألف جنيه (50 ألف دولار)، وهو الأمر الذي سيتبعه افتتاح المدارس الخاصة لتدريس المذاهب الثلاثة الأخرى (الشافعي والحنبلي والحنفي)، لتكون مكانا يقدم داخله الأنشطة التعليمية والتربوية، كما أوضح الشيخ حماية.
وكانت المدارس الأربعة تقع في محيط صحن المسجد، وتعد مساجد صغيرة ملحقة بالجامع الكبير، وتتكون كل مدرسة من إيوان وصحن تتوسطه فسقية، وتحتوي كل مدرسة علي ثلاثة طوابق تشتمل علي غرف الطلبة والدرس، ويطل بعضها علي صحن المدرسة وبعضها الآخر يطل علي الواجهات الخارجية، وكانت المدرسة الخاصة بالمذهب الحنفي - الشائع في مصر حاليا- كبري المدارس، إذ تبلغ مساحتها 898 مترا..
وتبلغ إجمالي مساحة المسجد 7906 أمتار مربعة، أي ما يقرب من فدانين، وهو علي شكل مستطيل غير منتظم الأضلاع، ويبلغ امتداد أكبر طول له 150 مترا، وأطول عرض 68 مترا، وللمسجد أربع واجهات وتقع الواجهة الرئيسية في الضلع الشمالي الذي يبلغ طوله 145 مترا، وارتفاعه 37.80 مترا....
ويؤدي الباب الرئيسي للمسجد إلي مدخل يؤدي إلي الصحن وهو مربع الشكل تقريبا يبلغ طوله 34.60 مترا، وهو مفروش بالرخام، وتتوسطه فسقية للوضوء تعلوها قبة خشبية تقوم علي ثمانية أعمدة، وهذه القبة حديثة ولم تكن موجودة من مائة وخمسين سنة ماضية.....
وأنشئ مسجد السلطان حسن في عصر الدولة المملوكية، والتي تعتبر من أزهى عصور الدولة الوسطى، ويعتبر تحفة معمارية ومن أعظم المساجد في مصر، ويجمع بين قوة البناء ودقة الزخارف الموجودة على جدرانه.
وتم بناء المسجد في عام 1356 م، واستمر بناؤه دون انقطاع لمدة ثلاث سنوات، حيث رصد السلطان حسن وقتها مبلغ 20 ألف درهم يوميا لإتمام المسجد في هذه الفترة.