إسطنبول/ الأناضول
- إنجاح المرحلة الانتقالية وتنظيم انتخابات مقبولة داخليا ودوليا
- فتح قنوات "حوار استكشافي" مع الجماعات المسلحة الأقل تطرفا على غرار ما جرى مع "طالبان"
- استئناف تنفيذ اتفاق السلام مع فصائل الطوارق المسلحة الموقع في 2015
شكل إطلاق سراح 200 عنصرا متهمين بالتطرف في مالي مقابل تحرير أربع رهائن بينهم آخر رهينة فرنسية في العالم، تساؤلات حول مستقبل البلاد بعد دخولها مرحلة انتقالية عقب انقلاب عسكري، واستمرار الهجمات الإرهابية العنيفة، واحتمال انهيار اتفاق السلام مع الانفصاليين الطوارق.
إذ يواجه الحكام الجدد في العاصمة باماكو ثلاث تحديات رئيسية صعبة، أولها ضمان اعتراف دولي بمشروعية حكمهم بعد الإطاحة في انقلاب عسكري بنظام الرئيس أبو بكر كيتا، وثانيها ضمان استمرار الاتفاق مع الفصائل الانفصالية من الطوارق شمال البلاد، وثالثها مواجهة التنظيمات الإرهابية التابعة للقاعدة و"داعش".
** الإفلات من الحظر
ولحد الآن نجح الانقلابيون في الخروج من مقاطعة دولية واسعة بعد أن قبلوا تولي شخصية مدنية قيادة المرحلة الانتقالية لا تتجاوز 18 شهرا، إذ أوكلت الرئاسة المؤقتة للعقيد المتقاعد "باه نداو" (70 عاما)، والذي أدى اليمين الدستورية في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، بينما تولى قائد الانقلاب عصيمي غوتا، منصب نائب الرئيس، وعادت رئاسة الحكومة إلى الدبلوماسي مختار عون.
وحظيت السلطة الانتقالية الجديدة بترحيب مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي بقيادة الجزائري إسماعيل شرقي، والذي قرر في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، رفع تعليق عضوية مالي في الاتحاد، وكذلك فعلت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس).
ورحبت الولايات المتحدة الأمريكية بتشكيل حكومة انتقالية في مالي، واعتبرت ذلك "خطوة أولية باتجاه العودة إلى النظام الدستوري"، لكنها تحفظت على تولي عسكريين مناصب مدنية في حكومة عون.
** فرنسا ورمال مالي الحارقة
بعد سبع سنوات من التدخل الفرنسي في مالي، ورغم بعض النجاح النسبي في طرد التنظيمات الإرهابية من المدن الكبرى، والقضاء على زعيم تنظيم القاعدة في المغرب عبد المالك دروكدال، إلا أنه يوما بعد يوم يتأكد الجنود الفرنسيون أنهم يغرقون في رمال متحركة وحارقة.
ومَثّل إطلاق 200 عنصر أغلبهم من "العناصر الثانوية" المتهمة بدعم الإرهاب، مقابل أربع رهائن، ضربة لجهود قوات عملية "برخان" الفرنسية في محاربة التنظيمات الإرهابية والمتشددة في منطقة الساحل الإفريقي.
كما أن ازدياد الرفض الشعبي للتواجد الفرنسي في مالي، عزز من خيبة أمل باريس في نجاح مهمتها بالساحل الإفريقي، رغم محاولتها حشد أكبر دعم أوروبي وخليجي لتمويل عمليتها العسكرية ومشاريع تنموية لحرمان الجماعات المسلحة من أي حاضنة شعبية.
لكن الجماعات المسلحة سواء تحالف "نصرة الإسلام والمسلمين" المقرب من تنظيم القاعدة أو "داعش الصحراء"، يواصلان هجماتهم العنيفة على الجيش المالي والمدنيين وحتى ضد القوات الأممية والدولية.
حيث خلف هجومان منفصلان في كل من مدينتي كيدال وتمبوكتو (شمال) مقتل جندي أممي من مصر وإصابة اثنين آخرين على الأقل، منتصف أكتوبر، وقبلها بثلاثة أيام قتل 12 مدنيا و11 جنديا من قوات الدفاع والأمن المالية في هجمات بوسط البلاد.
ومع أن عدد قوات برخان الفرنسية يبلغ 5 آلاف عنصرا على الأقل، إلا أنها تبدو عاجزة أمام تمدد التنظيمات الإرهابية في الصحراء الكبرى وما وراء نهر النيجر الحد الفاصل نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
ورغم تهديد فرنسا بسحب قواتها من مالي، خاصة وأن خسائرها بلغت نحو 50 قتيلا من جنودها منذ 2013، إلا أن ذلك يعني هزيمتها أمام التنظيمات المسلحة المحلية منها والإرهابية.
** السيناريو الطالباني في مالي
أمام تعثر عمليات مكافحة الإرهاب في مالي، في صحراء شاسعة مثل البحر، وحرارة تلامس سقف الـ50 درجة، وتنظيمات مسلحة ربطت شبكة علاقات معقدة مع قبائل تستوطن المنطقة منذ قرون، تحاول فرنسا عدم تضييع الكثير من الوقت في حرب قد تستنفذ منها عقودا من الدماء والأموال دون أن تجني منها الكثير.
ويمثل السيناريو الأمريكي في الحوار مع حركة طالبان لعزل التنظيم الأكثر تشددا في العالم "داعش"، أحد الخيارات المطروحة أمام الفرنسيين والماليين على حد سواء.
فبعد 19 سنة من القتال، توصلت واشنطن إلى اتفاق مع الحركة التي كانت تعتبرها إرهابية، لإنهاء الحرب مع الحكومة الأفغانية، وربما تنسيق الجهود لمحاصرة عناصر "داعش".
وسبقت الجزائر الولايات المتحدة في هذه التجربة، عندما فتحت أبواب المصالحة أمام الجماعات المسلحة الأقل تطرفا وعزلت التنظيمات الإرهابية الأكثر تشددا، وبذلك أنهت أزمتها الأمنية خلال 8 سنوات (1992-2000).
وقد يكون أمام باريس وباماكو، فرصة لعزل تحالف "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" عن "داعش".
وتضم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، أربع تنظيمات رئيسية: أنصار الدين، بقيادة إبراهيم إياد غالي، الدبلوماسي المالي، وأحد أعيان قبائل الطوارق الماليين، والذي يقود التحالف، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وكان يقوده دوركدال الذي قتلته القوات الفرنسية شمالي مالي مؤخرا.
فضلا عن كتيبة المرابطين، بقيادة مختار بلمختار، أحد أخطر الإرهابيين العارفين بدروب الصحراء، وجماعة ماسينا، بقيادة أمادو كوفا، وأغلب عناصرها من قبيلة الفولاني الإفريقية وسط مالي، والتي فتحت أبواب الجماعات الإرهابية نحو إفريقيا السمراء.
لذلك فإمكانية الحوار مع إياد غالي، باعتباره قنصلا سابقا في مدينة جدة بالسعودية، ممكنة، حيث سبق له وأن شارك قبلها في محادثات مع حكومة باماكو بوساطة جزائرية، عندما كان قائدا لتمرد الطوارق في 1990، ولعب دورا في إنهاء اختطاف رهائن أوروبيين.
وينطبق الأمر على كوفا، قائد جماعة ماسينا القبلية، لكن الأمر قد يكون صعبا مع بلمختار، إذ سبق لسلطات الجزائر أن فتحت قنوات اتصال معه لتسليم نفسه لكنها باءت بالفشل، بحسب إعلام محلي، وكذلك الأمر بالنسبة لقادة القاعدة في بلاد المغرب.
وهذا ما أشار له الأمين العام الأممي أنطونيو غوتيريش، عندما صرح لجريدة "لو موند" الفرنسية بأن "هناك مجموعات يمكننا التحاور معها ولديها مصلحة في التحاور لتصبح أطرافا سياسية مستقبلا.. ولكن هناك من بلغ لديهم التطرف الإرهابي حدا لا يمكننا معه القيام بأي خطوة"، وأعطى مثالا بـ"داعش".
ويتفق مع وجهة نظر غوتيريش، "شرقي"، مفوض مجلس السلم والأمن في الاتحاد الذي اقترح، في 14 أكتوبر الجاري، إلى "محاولة التحاور مع المتطرفين" في دول الساحل "لإسكات الأسلحة".
** بركان خامد لكنه قد ينفجر
لكن البركان الخامد لحد الآن، يتمثل في فصائل الطوارق المسلحة في شمال البلاد، التي مازالت تنتظر التزام باماكو باتفاق السلام الذي تم التوصل إليه في 2015 برعاية الجزائر، والذي لم يتم تنفيذه لحد الآن.
ما دفع غوتيريش، لدعوة السلطات الانتقالية في مالي إلى استئناف تطبيق اتفاق السلام والضروري لاستقرار البلاد، خشية تنصل الطوارق عن التزاماتهم، رغم إعلانهم تمسكهم بالاتفاق عقب الانقلاب على الرئيس كيتا.
كما أن زيارة وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، لباماكو بعد أيام قليلة من الانقلاب، كانت بهدف أخذ التزام من الحكام الجدد بتمسكهم باتفاق السلام مع الطوارق.
ورعت الجزائر عدة اتفاقات سلام بين حكومات باماكو المختلفة وفصائل الطوارق الساعية للانفصال بالشمال، والتي عادة ما تتهم الأولى بعدم الإيفاء بالتزاماتها، وتعود لحمل السلاح في كل مرة.
وأحد أسباب تحالف إياد غالي مع الجماعات المتطرفة، اتهامه لسلطات باماكو بعدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مسبقا.
وأمام الرئيس المالي المؤقت مهمة صعبة للمضي بالبلاد نحو انتخابات ديمقراطية مقبولة داخليا وخارجيا، وضمان تنفيذ اتفاق السلام مع الطوارق، والصمود أمام ضربات التنظيمات الإرهابية، وفتح "حوار استكشافي" مع المجموعات المسلحة التي تقبل الحوار.
news_share_descriptionsubscription_contact
