إسطنبول/ إحسان الفقيه/ الأناضول
"العراق قد انتهى، وسورية لم تعد موجودة، ولبنان في طريقه إلى التفكك، وليبيا في خبر كان"، هذه الصورة القاتمة لأربعة دول عربية قدمها مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق مايكل هايدن في مارس/ آذار 2016 في تصريحات لقناة "سي إن إن" الأمريكية، تعكس إلى حد ما الوضع المأساوي الذي آلت إليه هذه الدول الأربعة ـ بالإضافة إلى اليمن ـ والتحديات المصيرية التي تهدد وحدة هذه الأوطان، المعرضة بشكل أو بآخر لخطر التقسيم أوالفوضى.
ويزداد هذا الخطر في ظل تكاثر التنظيمات المسلحة المشكلة على أساس قبلي أو طائفي أو عرقي أو إيديولوجي بقيادة "أمراء الحرب" على مساحات واسعة من هذه الدول، مما يعيد إلى الأذهان السيناريو الصومالي في تسعينيات القرن الماضي، بعد سقوط نظام الرئيس سياد بري.
ويعد تنظيم "داعش" المسلح أحد أبرز مظاهر هذا التفكك، حيث يسيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا وأجزاء محدودة جدا من ليبيا، ولديه مجموعات مسلحة تنشط في لبنان واليمن، ويشكل أكبر تهديد لوحدة هذه الدول، بالرغم من تراجع سيطرته على مناطق ومدن استراتيجية في 2016 على غرار الفلوجة في العراق وتدمر في سوريا، وسرت ليبيا.
ومنذ الإعلان عن التحالف الدولي للحرب على تنظيم داعش في أغسطس/ آب 2014 بعد أقل من شهرين من سيطرة التنظيم على مدينة الموصل العراقية، تراوحت تقديرات قيادة التحالف الدولي باستمرار الحرب بين ثلاث إلى خمس سنوات، حسب تصريحات أدلى بها المتحدث السابق باسم التحالف الدولي، ستيف وارن، في مؤتمر صحفي عقده في مبنى السفارة الأميركية ببغداد في 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2015.
لكن تنظيم داعش مر بسلسلة من الانتكاسات أدت إلى خسارته المزيد من المدن والمناطق بشكل متواصل منذ ابريل/ نيسان 2015 لغاية ابريل/ نيسان 2016 بما يقارب 40% من الأراضي الواقعة في نطاق سيطرته ودخول عمليات التحالف المرحلة الثانية التي تقضي بتفكيك التنظيم وهزيمته بعد استكمال المرحلة الأولى التي انتهت بتحجيمه واحتوائه، حسب "ستيف وارن" بعد اجتماع الرئيس الأمريكي باراك أوباما مع أعضاء مجلس الأمن القومي في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA في 13 ابريل/ نيسان 2016.
في الوقت نفسه، يبقى نجاح التحالف الدولي في تفكيك التنظيم وتحجيمه تزامن مع بوادر تشير إلى تفكك مماثل في بنية بعض الدول العربية التي ينشط بها تنظيم داعش واحتمالات "تفكك الجيوش الوطنية بعد ظهور الجيوش غير النظامية، أو التنظيمات المسلحة القبلية أو العشائرية، والتي تمثل تحدياً حقيقياً للوحدة الوطنية والأمن القومي، خاصة في ظل ما تثيره من تصدعات اجتماعية تتجلى بوضوح في الحالة العراقية"، بحسب الأكاديمي المصري إبراهيم منشاوي، الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
وشخّص "منشاوي" خطورة ظاهرة الجيوش الموازية على مستقبل بقاء "سورية واليمن والعراق لارتباطها بعامل الصراع المذهبي والطائفي الذي يغذي حالة الفوضى وعدم الاستقرار الناجمة في أصلها من التدخلات الدولية والإقليمية في شؤون تلك البلدان".
وتحدث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في فبراير/ شباط الماضي عن "صعوبة الحفاظ على سورية موحدة في ظل الصراعات التي قد تنتهي برسم خرائط جديدة في الشرق الأوسط تتجاوز سورية إلى لبنان والعراق". وأشار في الوقت نفسه إلى احتمالات "تفكيك سورية" وهي المرة الأولى التي يرد مثل هذا المصطلح على لسان مسؤول أمريكي في دلالة يرى مراقبون عرب أنها تشير إلى سياق من الأحداث الميدانية والتعقيدات الإقليمية التي عززت فرص التقسيم في المنطقة رغم إصرار اللاعبين المحليين والإقليميين على وحدة التراب السوري.
ويحتل الحديث عن "احتمالات" تقسيم سورية أو تفكيكها الحيز الأوسع من اهتمامات الباحثين والمسؤولين الأجانب وفي مقدمتهم مسؤولون إسرائيليون تحدثوا عن أن "تقسيم سورية هو الحل الوحيد الممكن"، على حد وصف مدير عام المخابرات الإسرائيلية رام بن باراك الذي "يعتقد" أنه في نهاية الأمر "يجب أن تتحول سورية إلى أقاليم تحت سيطرة من يكون هناك، العلويون في المناطق التي يتواجدون فيها، والسنة في الأماكن التي يتواجدون فيها".
لكن ثمة عوامل أخرى أسهمت في تعزيز حالة تفكك بعض البلدان العربية تمثلت في واقع "اتساع خريطة الصراع البيني الطائفي والقبلي بشكل تتداخل فيه مع ظاهرة دخيلة على مجتمعات الدول المستهدفة، مثل المحاصصات الطائفية وانتشار ظاهرة الولاء إلى ما هو دون الدولة؛ إلى جانب انتشار العمليات الإرهابية واتساع مساحة الفئات المعتنقة للفكر المتطرف بما يشكل تهديدا جديا لتجانس ووحدة النسيج الاجتماعي لسكان تلك البلدان، كما في العراق وسورية، أما في ليبيا واليمن فقد شكل تعزيز طابع الولاء القبلي على حساب الولاء للدولة عامل تهديد مماثل للحالة السورية العراقية".
وفي معرض حديثه لـ "الأناضول" ، عرّج "منشاوي" كذلك على الأثر الضار للتدخلات الدولية والإقليمية في شؤون الدول العربية على مستقبل هذه الدول "ووجودها" بعد أن أصبحت تلك التدخلات "رافعة من رافعات تعزيز عوامل الفرقة والخلاف بين المكونات الاجتماعية والنخب السياسية الفاعلة، وتمكنها من نقل الصراع من مرحلة الكمون إلى مرحلة الحرب الأهلية من خلال إمداد القوى التي تخوض حرب الوكالة بكل الإمكانيات المؤثرة في تغيير طبيعة توازنات القوى على الأرض، كما في الحالتين السورية والليبية"، حسب رأيه.
ورأى "منشاوي" أن تفكك بعض البلدان "يرتبط بجملة من التحديات التي يمثلها في جانبها الطائفي الصراع الطائفي بين السُنّة والشيعة في العراق وإلى حد ما في سورية، أما التحديات في جانبها العرقي فتتمثل في "التغيير الديموغرافي الذي يمثله المشروع الكردي في العراق وسورية"، بحسب "منشاوي" الذي أسقط ذلك على الحالة اليمنية بتحديات أخرى "ذات طابع قبلي مناطقي متداخل مع طابع طائفي".
وللخروج من الأوضاع المتأزمة في بعض بلدان المنطقة العربية والحفاظ على الكيانات القائمة رأى "منشاوي" ضرورة "العمل على كافة المستويات للقضاء على الكيانات والمجموعات الإرهابية المتطرفة التي تتربص بالدول العربية من خلال مشاركة حقيقية في صنع القرار السياسي وقيادة البلدان ورسم مستقبلها بعيدا عن سياسات الإقصاء والتغييب على أسس طائفية أو قومية أو مناطقية من شأنها تعزيز روح التطرف وتنميته في وجدان الشباب الذي يدفعه الشعور بالظلم إلى الارتماء في أحضان تلك الكيانات والمجموعات الإرهابية المتطرفة وتقويتها"، حسب رأي الأكاديمي المصري إبراهيم منشاوي، الأستاذ المساعد في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة.
وأمام انتشار المليشيات وقادتهم ممن يطلق عليهم "أمراء الحرب" في عدة دول عربية، في ظل عجز أي طرف على حسم المعركة لصالحه، يزداد التهديد أكثر فأكثر على احتمال انقسام العراق وسوريا واليمن وليبيا وربما لبنان، وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بعد نحو قرن من اتفاقية سايكس بيكو، لكن الاحتمال الأسوأ، هو دخول هذه البلدان الخمسة في دوامة الفوضى على غرار ما يحدث في الصومال منذ 1991، والتي قد تستمر لعقود من الزمن قد تقضي على جزء كبير من مقدرات هذه البلدان، وتماسكها الاجتماعي.
news_share_descriptionsubscription_contact
