Leila Thabti
01 أغسطس 2016•تحديث: 01 أغسطس 2016
باماكو/ صفوان قريرة/ محمد أغ أحمدو/ الأناضول
التركيز فقط على تبني استراتيجيات شاملة للتصدّي للإرهاب في دولة مالي، قد لا يكفي لوحده لتحقيق نتائج مثمرة على الأرض، الأمر الذي يستدعي توجّه الجهود نحو صياغة مقاربات تأخذ بعين الإعتبار الخصوصية العرقية للبلاد، بحسب الباحث الأمريكي المختص في شؤون الساحل الأفريقي، رضا لعموري.
واعتبر الباحث، في حديثه للأناضول، أن تلك الاستراتيجيات تجد جذورها في وقت لم تثمر فيه السياسات الشاملة (تعتمدها بلدان الساحل الأفريقي عموما منذ سنوات) نجاحا ساحقا ضدّ هذه الآفة (الإرهاب)، في ظلّ تنوّع دوافع الشباب للانضمام إلى المجموعات الإرهابية، والتي غالبا ما تكون نابعة من خصوصية طائفية لكل واحد منهم.
"لعموري"؛ صاحب تقرير صدر مؤخرا بعنوان "محاربة التطرّف العنيف في مالي عبر العمل مع الطوائف"، أوضح وجهة نظره عبر التذكير، على سبيل المثال، بأن "حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا"، أو ما يعرف اختصارا بـ "ميجاو"، اعتمدت على مجموعات عرقية أنشئت على طول نهر النيجر لتجنيد مقاتلين من الشباب.
وبناء على ما تقدّم، أشار الخبير أنه "ينبغي أولا تحديد العرقيات المستهدفة، ووضع برامج استشرافية للتنمية، تلبّي خصوصية كلّ طائفة، فعلى سبيل المثال الفولانيون (شعوب مستقرة شمالي مالي وفي عدد من بلدان غرب أفريقيا) يتبنّون مطالب مختلفة تماما عن الطوارق أو العرب، وهذا الاختلاف نابع بدوره من اختلاف الاعتبارات التي تحكم كل عرقية".
اللجوء إلى هذه المقاربة تفرضه، بحسب المصدر نفسه، حقيقة أن الأساليب المستخدمة من قبل الجماعات المتطرّفة لتجنيد الشباب في كلّ منطقة، تكون خاضعة للخصوصية المحلية، حيث لطالما "اعتمدت على تحقيق أهدافها تلك على القادة المحليين، مقدّمة نفسها على أنها من المدافعين عن مصالح تلك العرقية، وهذه من السمات والنقاط المشتركة بين المجموعات الإرهابية في مالي (...)".
توجّه خلص إليه الخبير في تقريره من خلال "مساعي تلك الجماعات المسلحة إلى التكيّف والتأقلم مع العرقيات، سيّما القاطنة منها بالمناطق النائية، والتي لا تتحدّث بطلاقة الفرنسية أو العربية المغاربية المستخدمة من قبل قادة تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وإنما بالاعتماد على خطاب متطرّف تروّج له باللهجات المحلية".
الباحث الأمريكي شدّد في سياق متصل، بأنّ البرامج الخصوصية التي يوصي بها، من شأنها أن تمكّن حكومة باماكو من إقامة علاقات جيدة مع عرقياتها، مبيناً أن ذلك يتطلّب "قدرة سلطات البلاد وشركائها على تحديد أهدافها بهذا الخصوص، ووضع البرامج الملائمة لها، من خلال إدماج الزعماء المؤثرين داخل تلك العرقيات إضافة إلى المؤسسات الدينية".
وبالنسبة للخبير، فإن القضايا الإرهابية والعرقية تظلّ متشابكة، و"ينبغي بالتالي حلها بشكل متزامن"، محذّرا في ذات الوقت، من مخاطر حدوث المزيد من التحالفات الموضوعية، تماما مثلما حدث في 2012، حين تحالفت "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، إحدى المجموعات الإنفصالية الناشطة شمالي مالي، مع تنظيم "القاعدة".
مقاربة "أكثر واقعية" قال لعموري، إن التصاقها بالمعطيات على الأرض يمنحها تأشيرة لتجاوز محنة تعيش على وقعها مالي منذ سنوات، والتي شهدت انقلابا عسكريا في 2012، أعقبه نزاع بين "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" مع كل من حركة "التوحيد والجهاد"، وحليفتها حركة "أنصار الدين"، للسيطرة على الشمال، قبل أن يشنّ الجيش المالي مدعومًا بقوات فرنسية، عملية عسكرية في يناير/ كانون ثاني 2015، لاستعادة تلك المناطق، كان لابدّ وأن يخلّف أزمة أمنية لم تبشّر حتى اليوم ببوادر انفراجة تذكر.
ومع أن هدوءا نسبيا يسود الشمال المالي من حين لآخر، إلا أن الاضطرابات سرعان ما تعيد الوضع الأمني في المنطقة إلى مربّعه الأول. ففي 19 يوليو/ حزيران الماضي، قتل نحو 17 جنديا ماليا في هجوم استهدف موقعا للجيش بمدينة "نامبالا" وسط البلاد، قرب الحدود الموريتانية، في عملية تبناها تباعا كلّ من "التحالف الوطني للمحافظة على هوية الفولانيين وإستعادة العدالة" (مجموعة مسلحة من شعوب الفولاني)، وجماعة "أنصار الدين" الموالية لـ "القاعدة في المغرب الإسلامي".
"مع أن المجموعة الفولانية لا تتقاسم مع أنصار الدين ذات الجوار الأيديولوجي"، يتابع الباحث للأناضول، "إلا أنّ العداء لباماكو يشكّل نقطة التقاء بينها، أي أن وحدة الهدف والعداء الذي تضمره المجموعتان للجيش المالي، هو ما يدفعهما إلى التعاون بينهما بغض النظر عن اختلافاتهما".
تجدّد القضايا ذات الصلة بالشأن العرقي في مالي، هذا البلد الذي يعدّ عشرات العرقيات، إضافة إلى النزاعات المتجدّدة الدائرة في الشمال، وتعثّر تفعيل اتفاق السلام الموقع الصيف الماضي، بين الحكومة المركزية في باماكو وأبرز المجموعات الناشطة في المنطقة، "لا يعتبر"، بحسب لعموري، "فشلا تاما في حدّ ذاته بالنسبة لاتفاق السلام، وإنما يكشف جملة الخلافات الكامنة بين مفاوضات باماكو أو العاصمة الجزائرية أو واغادوغو (عاصمة بوركينا فاسو) أو نيامي (العاصمة النيجرية)، وبين ما يحدث على الأرض".
"ينبغي التوصّل إلى وسيلة لضخّ دماء جديدة، سواء على مستوى الحوكمة المالية، القادة الجدد"، يقول الباحث الأمريكي في ختام حديثه، "من أجل أن يكونوا أكثر إبداعا في ابتكار سبل الوحدة بين مختلف العرقيات بدل تقسيمها، كما يجب تجنّب مساعدة عرقية على حساب أخرى، لأن الصراعات الطائفية تعتبر أبرز التحديات التي تطرحها الأزمة في مالي".