تونس/ عادل الثابتي / الأناضول
رغم إعلان الرئيس الانتقالي لجمهورية مالي أسيمي غويتا، الثلاثاء، السيطرة على الأوضاع في البلاد عقب أيام من هجمات مسلحة متزامنة نفذتها جماعات متمردة في 25 أبريل/نيسان، إلا أن الغموض يخيم على المشهد، وسط ترقب لتداعيات أمنية داخلية قد تؤثر أيضا على دول الجوار.
وفي خطاب وجهه للشعب المالي عبر التلفزيون الرسمي، وصف غويتا الهجمات التي استهدفت العاصمة باماكو ومدنا أخرى وأسفرت عن مصرع وزير الدفاع ساديو كامارا، بأنها "لحظة بالغة الخطورة"، مؤكداً أنها نُفّذت بطريقة "منسقة ومخططة".
وأشار غويتا إلى إحباط مخطط المهاجمين وتحييد عدد كبير منهم "بفضل رباطة جأش القوات المسلحة على الأرض والحفاظ على الهرم القيادي".
والاثنين، أعلن رئيس الأركان العامة للجيوش، عمر ديارا، أن قواته "حيّدت أكثر من 200 إرهابي واسترجعت معدات عسكرية هامة"، وذلك ردًا على أكثر من عشرين هجومًا نُفذت عبر البلاد، وفق وكالة الأنباء المالية.
وفي ضوء تلك التطورات، يرى باحثون ومحللون سياسيون أن الوضع لم يستقر بعد لصالح القوات الحكومية، بل لا يزال مرشحا لتدهور أمني قد يؤثر على دول المنطقة بالكامل.
الباحث الموريتاني المتخصص في دول الساحل سيدي ولد عبد المالك، رأى أن سبب الهجوم هو إفشال "مجموعة الصقور" داخل منظومة الحكم، وهي الطرف الذي يمثله وزير الدفاع المقتول، لاتفاق هدنة محتمل مع تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين".
وأضاف في حديث للأناضول، أن "العملية كانت تستهدف بالأساس الرؤوس الكبيرة التي يُنظر إليها كعقبة في الحوار مع الجماعات المسلحة".
وأوضح أن الجماعات المسلحة امتلكت القدرة على نقل المعركة إلى المركز بالحصار الذي فرضته قبل فترة على مدن ومسارات رئيسية قريبة، بسبب تقوقع وحدات النخبة العسكرية في المركز لحماية كبار المسؤولين، ما جعل الأطراف خالية من وحدات قتالية قادرة على صد أي هجوم".
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الهجمات نفذتها "جبهة تحرير أزواد" التي تضم مقاتلين من قبائل الطوارق والعرب الذين يطالبون بانفصال مناطقهم في الشمال أو الحصول على حكم ذاتي موسع، إضافة إلى جماعات مسلحة موالية لتنظيم القاعدة تُعرف باسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين".
وبخصوص المخاطر على دول الجوار، قال ولد عبد المالك إن "الانفلات الأمني المتمدد في دول الساحل يطرح تحديات قوية على دول المنطقة ويهدد استقرارها، فإذا ما استتب الأمر للتنظيمات في مالي، فإن أطماعها ستتوسع بلا شك في دول أخرى بالمنطقة".
وأوضح أن موقفي النيجر وبوركينا فاسو يعتبر "خذلان لمالي"، حيث اكتفتا بإصدار "بيان تنديد"، في حين أن المسؤولية التضامنية تقتضي اتخاذ "مواقف مساندة أكثر حزما وفعالية"، بموجب اتفاق ليبتاكو-غورما.
وينص الاتفاق الموقع بين مالي والنيجر وبوركينافاسو بالعام 2023 على ضرورة التدخل لمساعدة الدولة التي تتعرض لانتهاك السيادة في أمنها واستقرار وسلامة أراضيها.
وأضاف أن "الرهان على روسيا أيضا بات خاسرا، فالقوات الروسية اتضح أنه لا يمكن الركون إليها كحليف موثوق وذي مصداقية".
وتوجد في مالي قوات روسية تحت اسم "فيلق إفريقيا"، وهي البديل الرسمي لمجموعة "فاغنر"، وذلك في إطار تحالف استراتيجي تعزز عقب الانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد منذ العام 2020.
وتتركز مهام القوات الروسية في تقديم الدعم القتالي والتدريبي للجيش المالي في مواجهة الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش"، إضافة إلى تأمين المنشآت الحيوية ومناجم الذهب.
وحول ما يتردد عن إمكانية تخلي الرئيس غويتا عن الحكم، قال ولد عبد المالك: "لا أتوقع أن تتخلى المجموعة الحاكمة عن السلطة إلا بعد عملية أخرى أكثر إيلاما".
وأضاف: "صحيح أن الضربة الحالية كانت مؤلمة وعميقة، إلا أنها ستعزز نفوذ غويتا، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع الذي كان ينافسه في مراكز التأثير والنفوذ".
** خسارة الأوراق الداخلية والإقليمية
أما المحلل السياسي الموريتاني أحمد محمد المصطفى، فقال للأناضول إن الجنرال غويتا ورفاقه "خسروا قوة أوراقهم الداخلية تباعا، بدءا من الخلاف مع القوى المدنية عقب انقلاب 2020، واستهداف الأحزاب السياسية وسجن العديد من قادتها أو دفعهم للجوء لخارج البلاد".
وأضاف: "غويتا ورفاقه دخلوا أيضا في صراع مفتوح مع محيطهم الإقليمي، ما أدى لتوافق مصالح محلية وإقليمية ودولية على تغيير النظام في مالي، أو تلقيه ضربة موجعة تفقده توازنه".
وفي 18 أغسطس/آب 2020 قادت مجموعة من الضباط العسكريين في مالي بقيادة أسيمي غويتا، تمرداً أسفر عن اعتقال الرئيس آنذاك إبراهيم بوبكر كيتا، وإجباره على إعلان استقالته وحل البرلمان والحكومة.
وأوضح المصطفى أن مالي دولة محورية، وما يقع فيها يؤثر بعمق على كل دول المنطقة، مشيرا إلى مخاوف من تدهور للأوضاع الأمنية، وازدهار لاقتصاد الجريمة، وتصاعد في حدة الهجرة غير النظامية، وارتفاع كبير في أعداد اللاجئين جراء الأزمة في مالي.
وقال إن السيناريوهات المتوقعة تشمل تمكن النظام المالي من تجاوز الصدمة، والعودة للحكم، و"هذا يعني عودة أسد جريح، سيسعى للانتقام من جميع من كان له دور فيما حصل له، وبالتأكيد سيكون لبعض دول الجوار حظا من انتقامه"، وفق تعبيره.
وأضاف: "كما يمكن أن يفشل غويتا في العودة، وتتوصل الأطراف إلى تسوية من دونه، وحينها سنكون أمام نظام قديم بوجه جديد، لكنه سيكون مكبلا بنفس التحديات والضغوطات التي أوصلت سلفه إلى ما وصل إليه".
وأشار إلى "إمكانية سقوط النظام دون وجود بديل عنه، أو تنازع أطرافه، ما يعني الوصول عمليا إلى مرحلة انهيار الدولة بعد سنوات من السير الحثيث في مضمار الفشل، ما يعني غرق المنطقة كلها في نفق مظلم، يحولها إلى ساحة صراع دولي مفتوح".
وتعليقا على حديث "جبهة تحرير أزواد" المسلحة عن إمكانية الحوار إذا تخلت المجموعة العسكرية بقيادة غويتا عن الحكم، قال المصطفى: "جبهة تحرير أزواد تحمل مطلبا واضحا، هو الانفصال عن مالي، أو منح الإقليم حكما ذاتيا أو طابعا كونفدراليا، وهو مطلب قديم يعود للسنوات الأولى من استقلال مالي عن الاستعمار الفرنسي خلال عقد الستينات".
وأضاف أن "المواجهات المسلحة بين الجيش والجبهة ظلت متجددة لفترات تخللها اتفاقات سرعان ما تنهار بتغير النظام، أو الظروف التي أوجدتها، آخرها الاتفاق الذي وقع برعاية جزائرية عام 2015، لكن حاكم مالي أعلن إلغاءه مطلع 2024".
ويخلص المصطفى أن هذه المعطيات "تجعل من الصعب تصور التوصل إلى حل سلمي يرضي جميع الأطراف في ظل تباين مطالبها واتساع الفجوة بينها".
news_share_descriptionsubscription_contact


