رام الله/ قيس أبو سمرة / الأناضول
** الفلسطيني إبراهيم القاضي في حديثه للأناضول:
- قبل اعتقالي كنت لاعب تايكواندو بشهادة موثقة من كوريا وحاصل على دورة تحكيم دولية
- أُصبت بسرطان الغدد اللمفاوية خلال فترة اعتقالي التي استمرت 22 شهرا
- الانتظار لإجراء خزعة استمر أشهرا فأصبح جسمي هزيلاً وضعيفاً
- ظروف الاعتقال زادت من قسوة المرض في ظل قلة الغذاء والنظافة والبرد الشديد
على سرير داخل المستشفى الاستشاري العربي بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، يرقد الشاب الفلسطيني إبراهيم القاضي مستعيداً تفاصيل رحلة قاسية من حياته بدأت باعتقاله في السجون الإسرائيلية ووصلت به إلى معركة ما زال يخوضها مع سرطان الغدد اللمفاوية.
القاضي (23 عاماً) الذي قضى 22 شهراً في سجون إسرائيل، لم يتوقع أن تتحول حياته من شاب رياضي يتمتع بلياقة عالية إلى مريض أنهكه السرطان، في ظل ما يصفه بـ"الإهمال الطبي" داخل السجون الإسرائيلية.
وفي حديثه للأناضول، يقول القاضي الذي أفرجت إسرائيل عنه الثلاثاء الماضي: "كانت فترة صعبة جداً، خاصة أنني أُصبت بسرطان الغدد اللمفاوية خلال الاعتقال".
وقبل اعتقاله في 8 يوليو/ تموز 2024، كان إبراهيم لاعب تايكواندو يحمل الحزام الأسود "دان 1" بشهادة موثقة من كوريا، وحاصل على دورة تحكيم دولية، وكان حريصاً على صحته ولياقته البدنية.
لكن حياته تغيّرت جذرياً بعد اعتقاله من منزله ونقله إلى مركز توقيف "عتصيون" قرب مدينة الخليل جنوبي الضفة، حيث أمضى 55 يوماً في ظروف قاسية، شملت نقصاً حاداً في الغذاء، ما أدى إلى تراجع وزنه.

** إهمال طبي
وفي 31 أغسطس/ آب 2024 نُقل إلى سجن "عوفر" الإسرائيلي، وهناك بدأت ملامح المرض بالظهور. يقول: "بعد ثلاثة أو أربعة أيام ظهرت كتلة في رقبتي، كان الأمر مفاجئاً وغريباً".
ويضيف أنه توجه مراراً لطلب الفحص الطبي، إلا أن الأطباء اكتفوا بفحص سريع وإعطائه مسكنات، دون تشخيص واضح أو متابعة، وقال: "لم يكن هناك تقبل للاستماع لي، كان هناك إهمال".
ومع مرور الوقت، بدأت الأعراض تتفاقم، حيث شعر بآلام شديدة "غير مفهومة"، قبل أن يتبين لاحقاً أن الغدد اللمفاوية تضخمت وأخذت تضغط على أعضائه الداخلية.
ويقول: "كانت الغدد تضغط على الأعضاء داخل جسمي وتسبب لي هذه الأوجاع".
وبعد مراجعات متكررة، نُقل القاضي إلى عيادة سجن الرملة الإسرائيلي، حيث خضع لفحص بالأشعة، قبل أن يُعاد إلى القسم دون إبلاغه بنتائج واضحة.
ويشير إلى أن الانتظار لإجراء خزعة (عيّنة) استمر أشهراً، بينما كان جسده يزداد ضعفاً، قائلاً: "أصبح جسمي هزيلاً وضعيفاً".
ومع تدهور حالته، وصلت المضاعفات إلى مرحلة خطيرة، حيث بدأت الكتل بالضغط على الكليتين، ما تسبب بمشاكل في الإخراج وتجمع السوائل في جسمه.
ويضيف أن السوائل بدأت تتراكم في قدمه وجسمه، وأن حالته باتت خطيرة، وأنها "وصلت إلى مرحلة متقدمة من المرض، بينما كان موعد الخزعة لا يزال يتأخر".
وبعد تدخل محاميه، أُجريت له خزعة بشكل عاجل، كشفت إصابته بسرطان "الغدد اللمفاوية"، ليبدأ بعدها مرحلة العلاج الكيماوي، بعد إجراء فحوصات للرئة والقلب.
ويروي القاضي تفاصيل معاناته داخل السجن، قائلاً إن ظروف الاحتجاز زادت من قسوة المرض مع قلة الغذاء والنظافة والبرد الشديد.
ويقول: "كنت أعاني من تغيرات حادة، أحياناً حرارة شديدة وأحياناً برد قارس، مع حالات تشنج وتعرق شديد، لدرجة أنني كنت أستيقظ وملابسي مبللة بالكامل".
ويوضح أن التعامل معه أثناء نقله للعلاج "كان قاسياً"، قائلاً: "كان هناك ضرب واعتداءات وشتائم، ولم يكن التعامل معنا كمرضى ولا حتى كأسرى".

** جلسة الإفراج
وبعد نحو شهرين من تلقي العلاج الكيماوي في عيادة سجن الرملة، نُقل القاضي إلى جلسة محكمة دون أن يعلم أنها ستنتهي بالإفراج عنه.
يقول: "لم أكن أعرف أنني ذاهب للإفراج، كانت مفاجأة، لم تكن على البال ولا على الخاطر".
ويصف لحظة خروجه بأنها "جميلة جداً"، مضيفاً: "رؤية الحرية والأهل كانت أجمل ما في الأمر".
وعقب الإفراج عنه، نُقل بواسطة سيارة إسعاف إلى المستشفى الاستشاري في رام الله، حيث يواصل حالياً تلقي العلاج.

** تأخير العلاج فاقم حالته
من جهته، قال جعفر القاضي، والد إبراهيم، إن الأخير اعتُقل من المنزل بعد مداهمة، ونُقل إلى سجن "عتصيون" ثم "عوفر"، حيث ظهرت عليه أعراض المرض بعد نحو شهر ونصف.
وأضاف أن العائلة حاولت عبر محامين ومؤسسات حقوقية تأمين العلاج له، "لكن دون جدوى"، مبينا أن حالته ساءت بعد مرور سبعة إلى ثمانية أشهر.
وأوضح أن الفحوصات كشفت عن وجود ورم، قبل أن تُجرى له خزعة، بينما استمر التأخير في العلاج، ما أدى إلى تفاقم حالته.
وقال إن الخلايا السرطانية ضغطت على الكليتين "وتسببت بفشلهما"، ما استدعى إجراء تدخل طبي وزراعة أنابيب لتصريف السوائل.
وأضاف: "كنا لا نعرف عنه شيئاً، إلا إذا نقل لنا أحد الأسرى خبراً عنه".
وأشار إلى أن الإفراج عن نجله جاء على خلفية وضعه الصحي، وهو يتلقى حالياً العلاج في المستشفى، معرباً عن أمله في شفائه.
ويختتم القاضي قصته بالتأكيد على أن ما مر به "دمّر حياته الصحية"، لكنه يتمسك بالأمل في التعافي، بينما تظل تجربته شاهداً على معاناة الأسرى المرضى داخل السجون.
والثلاثاء الماضي قال نادي الأسير الفلسطيني إن إبراهيم تعرّض لظروف اعتقال "قاهرة ومأساوية"، وشهد تدهوراً خطيراً في وضعه الصحي قبل الإفراج عنه، قبل أن يتبيّن لاحقاً إصابته بمرض السرطان.
وأضاف النادي أن أكثر من 100 أسير ومعتقل استشهدوا في سجون إسرائيل، أُعلن عن هويات 89 منهم، فيما لا يزال آخرون، خاصة من معتقلي قطاع غزة، رهن الإخفاء القسري، في ظل تصاعد الانتهاكات داخل منظومة السجون.
وأشار إلى أن عدد الأسرى في السجون الإسرائيلية تجاوز 9600 أسير حتى بداية أبريل/ نيسان، وأن الأسرى يعانون من أوضاع صحية ومعيشية صعبة تشمل الإهمال الطبي والتجويع وسوء المعاملة، ما يفاقم الأمراض، خاصة الحالات المزمنة والحرجة.