غزة/ الأناضول
** تسبب خلل تقني في إحدى المحافظ الإلكترونية المحلية بقطاع غزة في إرباك بعض مظاهر الحياة اليومية بما في ذلك المواصلات والأسواق نظرا للاعتماد شبه الكلي عليها في ظل شح السيولة النقدية واهترائها
-مصدر مطلع للأناضول: الشركة المالكة للمحفظة PalPay تُجري أعمال تطوير وصيانة أدت لخلل تقني في التطبيق الإلكتروني للمحفظة استمر ساعات
-الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر للأناضول: الدفع الإلكتروني يمكن أن يكون أداة لتنشيط السوق لكنه في "بيئة هشة" تحوّل إلى عبء إضافي يربك الأفراد ويعطل الأعمال اليومية
تسبب خلل تقني في إحدى المحافظ الإلكترونية المحلية بقطاع غزة، الأحد، في إرباك بعض مظاهر الحياة اليومية، بما في ذلك المواصلات والأسواق وتعاملات مالية أخرى، نظرا للاعتماد شبه الكلي عليها في ظل شح السيولة النقدية واهترائها.
وعانى سكان القطاع من تعذر في عمليات البيع والشراء واستخدام المواصلات العامة الشحيحة أصلا، بعد توقف متقطع لخدمات محفظة "بال باي" المحلية PalPay (تتبع لشركة خاصة مقرها الضفة الغربية)، لعدة ساعات بسبب أعمال تطوير وصيانة، وفق مصادر محلية للأناضول.
ومنذ أكثر من عامين، يعتمد الفلسطينيون على هذه المحفظة، إضافة لمحفظة "جوال باي" jawwal pay التابعة لشركة الاتصالات الفلسطينية -جوال الخاصة، وبعض التطبيقات التابعة لبنوك فلسطينية تتبع لسلطة النقد.
الاعتماد على عملية الدفع الرقمي، جاء في ظل أزمة سيولة حادة يعاني منها قطاع غزة، بسبب مواصلة إسرائيل منع إدخال العملات الورقية منذ اندلاع حرب الإبادة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتؤكد مراكز حقوقية ومختصون ماليون أن غالبية ما تبقى من عملات ورقية في القطاع تعاني من اهتراء وتمزق، وهو ما يحول دون قبولها في عمليات الشراء المختلفة.
ويعد الشيكل الإسرائيلي؛ العملة الرئيسة المتداولة في المعاملات اليومية في السوق، وبين المؤسسات الحكومية الفلسطينية والقطاع الخاص، والعملة التي تصرف بها رواتب الموظفين العموميين وغالبية موظفي القطاع الخاص.
ورغم الحلول البديلة التي وفرتها هذه المحافظ والتطبيقات الإلكترونية لتسهيل المعاملات المالية بغزة، إلا أنها اصطدمت بعقبات كبيرة منها عدم توفر الكهرباء، والانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت وعدم توفرها في كل المناطق.
**توقف الأسواق
اشتكى فلسطينيون من توقف التداول عبر المحفظة، ما تسبب بتعطل تزودهم بالاحتياجات اللازمة من الأسواق، وانتظارهم لساعات طويلة.
وقال عدد من الفلسطينيين، في أحاديث منفصلة للأناضول، إنهم فوجئوا بهذا العطل خلال عملية تسوقهم ما اضطرهم لإرجاع مشترياتهم والعودة للمنزل بلا طعام لأطفالهم.
وعبرت الفلسطينية ريم الخطيب (46 عاما)، عن مخاوفها من استمرار هذه الأعطال، مضيفة أن هذا الأمر من شأنه أن يضيق الخناق عليهم ويفاقم من الأزمة الإنسانية التي يعيشونها.
وأوضحت الخطيب، للأناضول، أنها تعتمد بكافة تعاملاتها المالية على هذه المحفظة، وأن أي توقف لها يتسبب بشكل مباشر في تعطل أمورها الأساسية.
بدوره، قال البائع الفلسطيني أحمد عبد الرحمن (رفض الإفصاح عن اسمه بالكامل)، إن توقف هذه المحفظة ألقى بظلاله السلبية على حركة السوق.
وأشار عبد الرحمن، للأناضول، إلى أن حركة السوق من البيع والشراء توقفت لعدة ساعات، تزامنا مع العطل الذي أصاب هذه المحفظة.
وطالب بضرورة إيجاد حلول بديلة تضمن استمرارية الحياة الاقتصادية بحدها الأدنى وإدخال السيولة إلى القطاع.
**شلل في المواصلات
في سياق متصل، أفاد فلسطينيون بأن توقف المحفظة انعكس أيضا على قطاع المواصلات المحدود أصلا في القطاع، ما أدى إلى حالة من الإرباك في التنقل واستخدام الخدمات.
ومنذ بدء الإبادة، تراجع قطاع المواصلات العامة بسبب شح توفر الوقود جراء إغلاق المعابر، وتضرر عدد كبير من المركبات العامة والخاصة.
وفي النقل العام، لجأ فلسطينيون لاستخدام شاحنات، بدلا من المركبات الصغيرة، للنقل، وذلك كونها تتسع للعشرات من المواطنين.
كما لجأ البعض إلى استخدام العربات التي تجرها حيوانات، كوسيلة للنقل، وكانت سائدة خلال عامي الإبادة، حيث كانت تمنع إسرائيل تماما دخول الوقود باستثناء كميات قليلة كانت تصل للمؤسسات التي تقدم خدمات حيوية.
ويستخدم الفلسطينيون خدمات هذه المحفظة لدفع تكلفة المواصلات أيضا.
**أسباب توقف المحفظة
وبشأن الخلل في المحفظة الإلكترونية، قال مصدر مطلع للأناضول، إن الشركة المالكة PalPay، تُجري أعمال تطوير وصيانة أدت لخلل تقني في التطبيق الإلكتروني للمحفظة، استمر عدة ساعات وعاد بشكل متقطع.
وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته كونه غير مخول بالتصريح، أن الشركة تعمل على تحديثات من أجل ضمان عدم الاعتماد على الإنترنت في التداول، لتسهيل المعاملات المالية في ظل انقطاع متكرر لخدمات الإنترنت.
ويكشف هذا الخلل عن هشاشة الواقع الاقتصادي الذي أنتجته حرب الإبادة الإسرائيلية، وفق ما أكده مراقبون اقتصاديون.
**"فجوة خطيرة"
من جانبه، قال المختص بالشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، إن عملية الدفع المالي الإلكتروني في قطاع غزة لم تعد مجرد وسيلة حديثة لتسهيل الحياة، بل أصبحت انعكاسا مباشرا لأزمة اقتصادية تتجاوز نقص السيولة.
وأضاف أبو قمر، في حديث للأناضول، إن هذه الأزمة أظهرت "اختلالا في بنية السوق نفسها".
وفي تفصيله لذلك، أوضح أنه "مع استمرار النقص الحاد في السيولة، وتلف جزء كبير من العملات الورقية، وأزمة الفكة، وجد المواطنون والتجار والسائقون أنفسهم أمام خيار شبه وحيد، وهو الاعتماد على المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية في إدارة تفاصيل حياتهم اليومية".
واستكمل أبو قمر، قائلا: "لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في التحول نحو الرقمنة بحد ذاته، بل في انتقال الناس إليه قسرا دون وجود بنية تقنية ومالية قادرة على تحمل هذا التحول".
وتابع: "فعندما يصبح شراء الخبز أو دفع أجرة المواصلات أو تحويل مبلغ بسيط مرتبطا بسرعة الإنترنت، وسقف التحويل المالي اليومي، وسلامة النظام الإلكتروني، فإننا لا نكون أمام تطوير اقتصادي بقدر ما نكون أمام إدارة أزمة، بأدوات غير مكتملة".
وأكد أبو قمر، أن ما حدث في غزة كشف عن "فجوة خطيرة بين الحاجة الفعلية للخدمة، وقدرة النظام على الاستجابة".
ولفت إلى أن الدفع الإلكتروني يمكن أن يكون أداة لتعزيز "الشمول المالي" وتنشيط السوق، لكنه في "بيئة هشة" تحوّل إلى عبء إضافي يربك الأفراد ويعطل الأعمال اليومية ويضعف الثقة العامة، وفق قوله.
وشدد أبو قمر، على أن الحل لا يكمن فقط في تشجيع استخدام المحافظ الإلكترونية، بل في تطوير بنية رقمية أكثر مرونة، تتمتع برفع سقوف التحويل وتحسين كفاءة الأنظمة وتوفير بدائل تعمل حتى في ظل ضعف الإنترنت.
وختم قائلا: "الاقتصاد لا يقاس فقط بوجود الوسائل، بل بقدرة الناس على استخدامها بثقة واستقرار".
والاثنين، أفادت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، في تقرير أُعدّ بالتعاون مع البنك الدولي، بأن تكلفة التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة تقدر بنحو 71.4 مليار دولار، في ظل الدمار الواسع الذي خلفته حرب الإبادة الإسرائيلية.
وذكر التقرير أن المبلغ الإجمالي يشمل نحو 26.3 مليار دولار مطلوبة "خلال الأشهر الـ18 الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة بناء البنية التحتية الحيوية، ودعم الانتعاش الاقتصادي".
وفي 8 أكتوبر 2023، بدأت إسرائيل حرب إبادة جماعية خلفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 172 ألف جريح فلسطينيين، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية.
ورغم التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار في 10 أكتوبر 2025، إلا أن إسرائيل خرقته مئات المرات ما أسفر عن سقوط ضحايا، كما تتنصل من التزاماتها المنصوص عليها فضلا عن مواصلة حصارها المشدد للقطاع وإغلاقها للمعابر ما فاقم حدة الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحرب.
news_share_descriptionsubscription_contact
