عارة / عبد الرؤوف أرناؤوط / الأناضول
** الأسير الفلسطيني المفرج عنه ماهر يونس في حديثه للأناضول:عندما قضت محكمة إسرائيلية قبل 40 عاما بإعدام ماهر يونس، كان رد فعله الأول هو الضحك، وبخروجه من السجن فإنه يتذكر تلك اللحظة بشكل خاص.
حينئذ وجهت محكمة عسكرية الاتهام إلى ماهر وأبناء عمومته كريم وسامي بقتل جندي إسرائيلي عام 1980 وتم اعتقالهم في يناير/كانون الثاني 1983.
عند اعتقاله كان ماهر يبلغ 25 عاما آنذاك ويتحضر للزفاف، وقال في مقابلة مع الأناضول في منزله ببلدة عارة (شمال): "عند صدور الحكم كنت أقف إلى جانب زميلي وكنت أضحك، حتى أنني قلت له غدا سيغنون لنا أغنية: شيء لا يصدق".
لاحقا تم تخفيض الحكم إلى السجن المؤبد، وهو ما يعني 40 عاما وفقا للقانون الإسرائيلي، وفي يناير الماضي تم الإفراج عن كريم يونس ثم ماهر يونس.
أما سامي فتوفي عام 2015، بعد 4 أعوام من الإفراج عنه في إطار صفقة لتبادل الأسرى، بعد أن أمضى 28 عاما داخل السجون الإسرائيلية.
لا يستطيع ماهر يونس، وصف شعوره بالتحرر بعد أن أمضى 4 عقود داخل السجن، وقال إنه "شعور لا يوصف، لا يمكن تلخيصه بكلمتين".
وأضاف: "يعجز القاموس عن إيجاد الكلمات التي تعبر عن شعور الإنسان عندما ينال حريته".
وأردف: "المناضل عندما يدخل السجن فإن الهدف الأول أمامه هو أن ينال حريته، والآن أصبحت حرا لكن هناك غصة لأن كثير من الأسرى ما زالوا يقبعون بالسجون، وعلينا أن نسعى من أجل تحرير الوطن".
"تكون بين أهلك، وفي الأرض التي ترعرعت بها، وبين الناس الذين يقدرون عملك ونشاطك واجتهادك، شعور لا يوصف بكلمات"، هكذا لخص يونس مشاعره.
لدى استقباله المهنئين بالإفراج في منزله، قابل يونس للمرة الأولى أقارب له كان يسمع عنهم ويرى صورهم أثناء وجوده في السجن.
وقال: "قابلت أبناء من عائلتي لم أعش طفولتهم، فإدارة السجون الإسرائيلية تمنع حتى الطفل بعمر سنتين أو 3 سنوات من زيارة عمه أو خاله. فما هو الخطر الذي يشكله طفل بعمر 3 سنوات على أمن إسرائيل!؟".
وأضاف: "يريدون إشعارك بالقهر، ومع ذلك فإن عقلية المناضل الفلسطيني تتغلب على كل هذه الأمور، عشنا الظرف بتواصل اجتماعي من خلال السؤال عنهم والمراسلات المتواصلة من خلال العائلة".
واستطرد: "التغييرات التي حصلت على الناس خلال 40 عاما كثيرة، فأنت لا تميزهم بنسبة كاملة، وإنما تحاول التقدير".
ولفت إلى أنه واجه هذا الأمر مرارا "كنت أصافح أناس كانوا يسألونني هل تعرف من أنا؟ أو على سبيل المثال شخص عمره 38 عاما يسألني هل تعرف من أنا؟ ولكن عندما دخلت إلى السجن لم يكن قد ولد بعد".
واستدرك: "لكن عليك أن تتغلب على هذا الأمر بحنكة اجتماعية من خلال كلمات مثل: أهلا يا خال أو أهلا يا حبيب، وكأنني أعرفه جيدا، وهذا يضفي جوا بأنه رغم القهر إلا أنني أعطي الشعور بأننا متواصلين وأننا أهل".
وأضاف: "الشرائع والقوانين الدولية تؤكد على حق الشعوب بالحرية ولكن للأسف، نحن في فلسطين نشعر بالقهر والمعاناة نتيجة الاحتلال الغاصب، فرغم أنك تعيش في أرض أجدادك ولم تخرج من وطنك إلا أنهم يعتبرونك غريبا في أرضك".
لم تكن رحلة الإفراج عن ماهر سهلة بل ثقيلة وطويلة كما هي السنوات التي أمضاها في السجن، وأفاد أن رحلة خروجه من سجن النقب (جنوب) إلى يوم الإفراج عنه استغرقت 8 أيام.
وقال: "كنت في سجن النقب (كتسيعوت) الذي يبعد عن حدود سيناء المصرية 6 كيلومترات، ومن أجل تجريعي المرارة قاموا بنقلي إلى محكمة سالم شمال الضفة الغربية، وتستغرق الرحلة بسيارة 3 ساعات، لكن رحلتي استغرقت 8 أيام عبر التنقل بسيارات السجن وهي رحلة عذاب ومشقة".
في ذلك اليوم، مصلحة السجن أيقظته عند الرابعة فجرا والطقس بارد، وجرى تكبيله من الأيدي والأرجل ومن ثم نقله في حافلة شديدة البرودة، وفق حديثه، واستمر التنقل من سجن إلى آخر.
كريم فسر ذلك قائلا: "السبب هو كسري وإرهاقي نفسيا من أجل إخراجي مكسورا مهزوما ومرهقا وهم يعتمدون هذه السياسة"، واستدرك: "ولكن طالما أنني مدرك هذا الأمر فإن الابتسامة لم تفارقنِي، لأنني أخيرا سأقابل أهلي".
ليلة الإفراج عنه تم وضعه في زنزانة بسجن بئر السبع (جنوب)، وقال: "سألتهم هل أتعرض للعقاب؟ قالوا لا، أنت في انتظار لساعات. قلت لهم حتى لو كانت ساعات فإن لدي حقوق. قالوا انتظر. وانتظرت حتى الصباح".
وأضاف: "عند الساعة الخامسة والنصف صباحا، جاء أحد الضباط وقال لي: جهز نفسك للخروج. فسألت إلى أين؟ ولكنه لم يعطني أي رد، وتوقعت أنه سيتم تحريري، ولكن إن كان لديهم خدعة أخرى فسأتحملها".
وتابع: "تم إخراجي إلى غرف انتظار حتى أتت سيارة سجون صغيرة عبارة عن زنزانة، وتم وضعي بها بعد تفتيش، ونقلوني إلى شرطة بئر السبع، وهناك وجدت ضابطا قام بتحذيري (من ممارسة النضال مجددا بعد الإفراج)، فقلت له: أنا مفرج عني، وأخذتم مني أكثر مما تستحقون خلال 40 عاما، ولا أريد أن أسمع المزيد".
وعن أصعب لحظة قضاها في السجن، يقول يونس: "كانت أصعب اللحظات يوم وفاة والدي، لحظة مؤثرة أن أسمع أن والدي توفي بعد سنة ونصف لم أره فيها".
ويوضح أن والده "كان في طريقه إلى المسجد لأداء الصلاة يوم جمعة، حيث صدمته سيارة ما أدى إلى وفاته، كانت لحظة قاسية".
وأضاف: "السجن ليس كله قسوة لقد تعلمنا بالسجن وتمازحنا وهناك أوقات صعبة".
وداد يونس، والدة ماهر (مواليد 1935) تعمدت استقبال ابنها بإلباسه عباءة عليها نيشان عثماني.
قالت للأناضول: "كان الأتراك يمرون من الشارع أمام منزلنا ويزورون جدي الذي كان يرحب بهم ويقدم لهم واجب الضيافة، لذلك منحوه لقب كومندار مُوقع بنيشان، وقد سمعنا كثيرا عن هذه القصة".
وأضافت: "وضعنا صورة النيشان على عباءة رجل، وهو تعبير عن الصداقة القديمة مع الأتراك"، مشيرة أن النيشان العثماني والعباءة "تأكيد على أن تاريخنا هنا قديم والحمد لله".
وقالت الوالدة: "كان جدي كبير السن، وعندما جاء الانجليز (الانتداب البريطاني) طلبوا من كل الرجال الخروج الى الجامع، ولكن جدي لم يخرج لأنه كبير السن".
وأضافت: "جاء له الانجليز وسألوه عن سبب عدم خروجه مع الرجال، فقال: أنا رجل مسن وسحب سيفه وأشهره، وأخرج النيشان التركي ووضعه على صدره، فقال الضابط الإنجليزي لأفراد فرقته: أدوا له التحية".
وتابعت وداد يونس: "قررت أن ألبسه (ماهر) العباءة والنيشان للتعبير عن الاحترام لجدي، وهو رجل عظيم، ولإعادة التذكير بتاريخه".
ليس ثمة مخططات واضحة لدى ماهر يونس بعد الإفراج عنه، لكنه قال: "قد أعمل مع شقيقي في مجال الأعمال، وإذا كان السؤال يتعلق بالزواج، فأقول انتظروا، ليس الآن".
news_share_descriptionsubscription_contact
