القدس / عبد الرؤوف أرناؤوط / الأناضول
** صحفي إسرائيلي للأناضول:يفرض الجيش الإسرائيلي سرية تامة على المشاريع التي ينفذها في ما يسميه ممر "نتساريم" الذي يفصل شمال قطاع غزة عن المنطقة الوسطى والجنوب.
لكن مقاطع فيديو وصور أقمار صناعية تظهر أعمال بناء مكثفة تؤكد أن الجيش يجهز لاحتلال طويل للمنطقة، ضمن الإبادة المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين منذ 14 شهرا.
هذا الممر أقامه الجيش في بدايات حرب الإبادة، لمنع الفلسطينيين الذين هُجروا من شمال قطاع غزة إلى جنوبه من العودة إلى ديارهم.
وتمت تسميته "نتساريم" في إشارة إلى مستوطنة إسرائيلية كانت مقامة بقطاع غزة قبل تفكيك المستوطنات بالقطاع والانسحاب منه عام 2005 بعد احتلال استمر منذ حرب 5 يونيو/ حزيران 1967.
صحفي إسرائيلي زار المنطقة أكثر من مرة رفقة الجيش منذ بداية الحرب، يقول للأناضول: "عندما وصلت إلى المنطقة للمرة الأولى بعد أشهر من الحرب كان الممر بعرض 4 أمتار وبطول 8 كيلومترات في المنطقة الممتدة من كيبوتس (مستوطنة) بئيري داخل غلاف قطاع غزة وحتى البحر. إنه يقسّم قطاع غزة إلى قسمين".
ويضيف الصحفي، مفضلا عدم ذكر اسمه: "في المرة الأخيرة التي وصلت فيها إلى المنطقة مؤخرا كان الممر بعرض 7 كيلومترات، وبذات الطول أي 8 كيلومترات".
ويتابع: "عندما تشاهد ما يجري هناك من أعمال بناء يقوم بها الجيش الإسرائيلي، فستصاب بصدمة، ولكن ستدرك أنه يخطط للبقاء في غزة لسنوات طويلة قادمة".
ويوضح أن "البناء الذي يجري إقامته في المنطقة هو بناء دائم من الأسمنت، وليس بناء مؤقت (..) ولتنفيذ ذلك، هدم الجيش مئات منازل الفلسطينيين. إنها أشبه بصحراء، لا يوجد بناء فلسطيني على الإطلاق، فقط أبنية ومعسكرات للجيش".
ويردف: "صدقني لقد فوجئت بوجود إشارة مرور أقامها الجيش على أحد الشوارع التي شقها في المنطقة وهناك أعلام إسرائيلية على طرفي الطريق، وعندها زاد يقيني بأن الجيش لن ينسحب من غزة قريبا".
** خطة الجنرالات
ويرى الصحفي أن ما يجري لا يمكن فصله عن ما تسمى "خطة الجنرالات" الإسرائيلية، ويقول: "تقضي الخطة بإخلاء شمال قطاع غزة من الفلسطينيين ونقلهم جنوبا ومنعهم من العودة، وأن هذا سيسهل على الجيش ملاحقة مسلحي حماس شمال القطاع".
ومنذ 61 يوما، يواصل الجيش الإسرائيلي اجتياح شمال قطاع غزة، بذريعة "منع حركة حماس من استعادة قوتها في المنطقة".
بينما يقول الفلسطينيون إن إسرائيل تعمل على احتلال شمال القطاع وتحويله إلى منطقة عازلة بعد تهجير سكانه، تحت وطأة قصف دموي متواصل وحصار مشدد يمنع إدخال الغذاء والماء والأدوية.
ويضيف الصحفي: "ما يجري على الأرض شمال قطاع غزة هو هذا الأمر بالضبط، وحسب المعلومات التي تصلنا فإن المعركة في جباليا وبيت لاهيا تقترب من نهايتها".
ويردف: "إذا كان الجيش يريد منع السكان الفلسطينيين الذين تم نقلهم إلى الجنوب من العودة إلى الشمال، فهذا هو هدف ممر نتساريم.. منع السكان من العودة".
** أكبر من تل أبيب
وينفي الجيش الإسرائيلي ما يتردد عن أنه يطبق "خطة الجنرالات" شمال قطاع غزة، ويرفض الإفصاح عما يفعله بممر "نتساريم".
وقال الجيش الثلاثاء: "تم استدعاء قوات فرقة 99 للمرة الثالثة للاحتياط، وتعمل منذ أسبوعين في منطقة ممر وسط قطاع غزة".
ووفق صحيفة "يديعوت أحرونوت"، الاثنين: "جرى توسيع ممر نتساريم إلى منطقة أكبر من مدينة تل أبيب، وتشمل بنية تحتية خلوية وخط مياه جديد ونقاط (تمركز وإقامة) للجنود".
وأضافت: "ما يفعله نتساريم هو منع مرور سكان غزة من الجنوب إلى الشمال، وتشجيع 300 ألف، من أصل حوالي مليون شخص كانوا في شمال قطاع غزة قبل الحرب، على العبور جنوبا".
ونقلت عن الجيش قوله: "نؤسس المزيد من القواعد الأمامية، ومعها نزيد الضغط على حماس، التي هي في الواقع محاطة من كل اتجاه".
** أحلام اليمين المتطرف
وفي 22 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال المحلل العسكري بصحيفة "هآرتس" العبرية عاموس هارئيل إن "تحليلا لصور جوية نشرتها هآرتس يكشف عن نوايا الجيش في غزة، وهي السيطرة العسكرية الدائمة على ممر نتساريم المتسع باستمرار وتقسيم شمال غزة إلى جيوب أصغر".
وأضاف: "في القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي (المعنية بغزة)، يدفع فريق من جنود الاحتياط قدما بخطط طموح تتوافق بشكل مذهل مع أحلام اليمين المتطرف"، في إشارة إلى استمرار الاحتلال وعودة الاستيطان.
هارئيل تابع: "يعتقد اللواء (احتياط) تامير هايمان (مقترح "خطة الجنرالات")، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي، أن الأسابيع الأخيرة كشفت عن خطط إسرائيل لغزة.
وأردف: "يعتقد هايمان، رئيس الاستخبارات العسكرية السابق (أمان)، أن القوات لن تغادر غزة في السنوات القادمة".
** منطقة عازلة
والثلاثاء، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن "الجيش الإسرائيلي عمل على توسيع وجوده وسط قطاع غزة في الأشهر الأخيرة".
وأوضحت أنه "حصّن القواعد العسكرية وهدم المباني الفلسطينية، وفق مسؤولين إسرائيليين وصور الأقمار الصناعية، وهي خطوة تشير إلى أنه ربما يستعد لفرض سيطرة طويلة الأجل".
و"على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، هدم الجنود أكثر من 600 مبنى حول الطريق (نتساريم) في محاولة واضحة لإنشاء منطقة عازلة، كما وسعوا بسرعة شبكة من البؤر المجهزة بأبراج الاتصالات والتحصينات الدفاعية"، وفق الصحيفة.
وتابعت: "أثار التوسع تكهنات حول خطط إسرائيل لمستقبل غزة. وتعهد زعماء إسرائيل بالحفاظ على السيطرة الأمنية حتى بعد الحرب، دون أن يقولوا بوضوح ما قد سيتبعه ذلك".
وتعليقا على ذلك قال نائب متحدث وزارة الخارجية الأمريكية فيدانت باتيل، الثلاثاء: "اطلعت على هذه التقارير وسأترك الأمر للحكومة الإسرائيلية لتتحدث عن مدى صحتها أو عدم صحتها".
واستدرك: "إذا كانت صحيحة، فمن المؤكد أنها ستكون غير متسقة مع عدد من المبادئ التي وضعها وزير الخارجية (الأمريكي أنتوني) بلينكن قبل حوالي عام حول وجهة نظرنا بشأن مستقبل المنطقة".
وأضاف: "أعتقد أن أهم هذه المبادئ هو أنه لا يمكن أن يكون هناك أي تقليص في أراضي غزة. ولا يمكن أن يكون هناك نزوح قسري للفلسطينيين من ديارهم، ويجب السماح لهم بالعودة بأمان إلى ديارهم في الشمال بمجرد أن تسمح الظروف بذلك".
باتيل أردف: "وإذا كانت (هذه التقارير) صحيحة، فمن المؤكد أنها مسألة سنثيرها بجدية مع شركائنا في إسرائيل".
وبدعم أمريكي مطلق ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية بقطاع غزة، خلفت نحو 150 ألف قتيل وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قتلت عشرات الأطفال والمسنين، في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية بالعالم.
وتواصل إسرائيل مجازرها متجاهلة مذكرتي اعتقال أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية، في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين في غزة.
وحوّلت إسرائيل غزة إلى أكبر سجن بالعالم، إذ تحاصرها للعام الـ18، وأجبرت حرب الإبادة نحو مليونين من مواطنيها، البالغ عددهم حوالي 2.3 مليون فلسطيني، على النزوح في أوضاع مأساوية مع شح شديد متعمد في الغذاء والماء والدواء.
ومنذ عقود تحتل إسرائيل أراضي في فلسطين وسوريا ولبنان، وترفض قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود ما قبل حرب 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
news_share_descriptionsubscription_contact
