إسطنبول/ نبراس إبراهيم/ الأناضول
في 30 يونيو/ حزيران 2012، أصدرت مجموعة العمل الدولية من أجل سوريا "بيان جنيف"، وأيدته (نظريا) كل الأطراف المعنية بالصراع في سوريا، وحضر صدوره حشد من المسؤولين الدوليين.
ومنذ ذلك التاريخ، بدأ المجتمع الدولي يتحدث عن أن حل القضية السورية لن يكون إلا سياسيا، ولن يكون لأي حل عسكري نصيب بعد "بيان جنيف".
نظريا، ينطلق هذا الحل من صلب "بيان جنيف"، الذي يقول بتشكيل "هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة" تستلم السلطة، وتضبط الأمن، وتعدل الدستور، وتُجري انتخابات نزيهة مُراقبة، وتُنهي الحرب، وتُنهي معها خمسة عقود من الحكم الشمولي.
على الأرض، جرى كل شيء بشكل مناقض للحل السياسي، ولم يتعامل أحد إلا بالسلاح لتحقيق السلام، وتعطّلت السياسة لتتأجج الحرب، ولم يضع أحد حدا لأحد.
كما لم يأبه أحد بالمقتلة السورية، وواصل النظام حربه على الشعب، وتمدد الإيرانيون أخطبوطيا بشكل فاضح، وشاركوا في الحل العسكري للنظام، عبر عشرات الميليشيات والمرتزقة.
كما تدخّل الروس عسكريا بشكل مباشر، وصار لهم قواعد عسكرية برية وبحرية وجوية، وكذا فعل الأمريكيون وتدخلوا عسكريا بتحالف دولي، وعبر تنظيم "داعش" ثم استقر وفرّخ، وشكّل الأكراد أذرعا عسكرية، واستقدموا مقاتلين من الخارج.
وحدها فصائل المعارضة السورية المسلحة هي التي تقهقرت وتعددت وتفرقت وتمزقت، وبقيت دون داعم حقيقي، وصارت السياسية منها تتمسك بأطراف الحل السياسي، ولا تعرف من أين تبدأ، ولا من سيضمن تطبيقه، ولا من سيرعاه.
فيما زاد إصرار النظام السوري على حسم المعركة عسكريا، ولم تلتزم الدول الكبرى بتعهداتها حول الحل السياسي وتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، رغم أنها أخرجت القرار الدولي 2254، الذي ينص على ضرورة دعم "بيان جنيف" والهيئة المذكورة فيه.
في ظل ابتعاد الحل السياسي وغموض منطلقاته ومفاتيح بداياته، وتضاؤل فرصة تشكيل هيئة حاكمة انتقالية، وتعدد الجهات العسكرية التي تعبث بسوريا، طُرحت منتصف عام 2016 فكرة تشكيل مجلس عسكري مشترك كحل أنجع من الهيئة الحاكمة الانتقالية.
وكانت الفكرة أن يتشكل المجلس من ضباط منشقين وضباط من الجيش (علويين وغير علويين) ممن لم تتلوث أيديهم بالدماء، ويُشارك معهم ضباط من قوميات سورية مختلفة، بحيث يصبح كتلة ممثلة لتنوّع السوريين.
وأن يستلم المجلس زمام الحكم في سوريا، ويعيد الأمن، ويُشرف على الانتقال السياسي، ويُحارب المنظمات المتطرفة، ويطرد المقاتلين الغرباء من كافة الجنسيات والأيديولوجيات، ويضع حدا لأجهزة النظام الأمنية المنفلتة، ويكون الواجهة التي تحاور وتفاوض قوات الدول الأجنبية المتواجدة في سوريا.
في ذلك الوقت، اعتمدت الفكرة على أسس عديدة، أهمها أنه:
1- يوجد في تركيا والأردن مئات الضباط السوريين الأمراء المنشقين عن النظام، يمكن الاستفادة من قدراتهم العسكرية لقيادة مجلس عسكري هدفه انتشال سوريا من مستنقعها.
كما يوجد مئات الضباط داخل سوريا، من المحسوبين نظريا على النظام، مُقتنعون بأنه ورّطهم وورط طائفتهم في حرب عبثية، ويمكن -بشروط- أن ينضموا إلى قيادة هذا الكيان العسكري.
2- يوجد عشرات آلاف الجنود المنشقين ممن رفضوا مشاركة النظام حربه ضد الشعب، ولم يتورطوا بحرب الفصائل والجبهات المتشددة والإرهابية. وهم أبناء المؤسسة العسكرية، مُدرّبون وعارفون بقواعد العمل العسكري، ويُتقنون فنون الحرب. والحال نفسه في عناصر الجيش السوري بالداخل ممن أُرغموا على المشاركة بالعمليات العسكرية، وبعضهم رفض وأُلقي في السجون، ويمكن لهؤلاء جميعا أن يكونوا نواة جيش يضبط أمن سوريا كلها.
3- يمكن لمجلس عسكري، يضم ضباطا قياديين من كل الطوائف والأديان، أن يكون عامل طمأنة لجميع السوريين، موالين ومعارضة، بأنه لن يحصل أي قصاص من أي طرف خارج القانون.
4- يمكن لمجلس عسكري مشترك، يضم ضباطا أمراء سوريين مخضرمين من كافة الطوائف، موالين ومعارضة ولديهم الخبرة الكافية، أن يكسب ثقة الدول الكبرى، ويعمل على تنفيذ خطة عسكرية أمنية واضحة تضمن خروج كل الفصائل المتمردة والمتشددة والانفصالية والطائفية، ليبقى مجلسا جاهزا لدعم الحل السياسي وحمايته.
5- يمكن لمجلس عسكري كهذا أن يُحارب كل القوى المتطرفة والمتشددة والإرهابية، على اعتبار اعتدال الضباط المنشقين الذين أعلنوا رفضهم للقوى المتشددة والإرهابية في سوريا، واعتدال الضباط الموالين، الذين رفضوا ممارسات النظام وممارسات جماعة "حزب الله" اللبنانية وإيران الإرهابية.
6- يمكن لمجلس عسكري أن يدعم الحل السياسي بقوة، ويحمي أي هيئة سياسية تحكم سوريا في المرحلة الانتقالية، ويساهم في ضبط الأمن وضمان تنفيذ إرادات هذه الهيئة وقراراتها، وإحلال القانون وإنفاذه، ما يجعل الهيئة السياسية الحاكمة ذات ذراع عسكرية قوية تضمن نجاح عملها.
7- يمكن لمجلس عسكري مشترك أن يضع أسسا واستراتيجيات تضمن مصالح الدول الكبرى في سوريا بطريقة تُرضي هذه الدول ولا تنتهك السيادة السورية في الوقت نفسه.
ويُمهّد المجلس، بعد اشتداد عوده وتجسّد الحل السياسي بمعطيات عملية واقعية مُرضية، لمغادرة كل القوات العسكرية للدول من سوريا.
بطبيعة الحال، مشروع المجلس العسكري بصيغته أعلاه هو مشروع نظري، ويبدو في الوقت نفسه واعدا، ويُرى على أنه حل لضبط الحالة الأمنية في سوريا، وحماية الهيئة السياسية المختلطة، وضمان محاربة قوى الإرهاب، ووضع حد للقوى الأمنية المنفلتة التابعة للنظام، ووقف الانتقام والثأر، ووضع مسارات واضحة لعلاقة الجيوش الأجنبية بسوريا.
لكن مثل هذا الحل، على صعوبة تنفيذه بطريقة أفلاطونية كالمبررة أعلاه، سيواجه ثلاث جهات ترفضه، حيث سيرفضه النظام السوري بالتأكيد، لأن شرط نفاذه الأول هو إقصاء رأس النظام (بشار الأسد) ورموزه وكل من شاركهم القتل والتشريد والتهجير والتدمير.
كما سترفضه المعارضة السياسية السورية، خوفا من أن يعود العسكر للحكم، وهو ما قامت الثورة (منذ 2011) ضده، ولن يؤيده أيضا (مُنتفعو) المعارضة ومؤسسو بعض الفصائل النفعية والمتشددين، لأن المجلس العسكري سيُهمشهم ويُخرجهم دون مكاسب، وسيُنهي وجودهم برمّته.
قبل أيام، عادت فكرة المجلس العسكري المشترك للبروز، من خلال موضوع نُشر إعلاميا عن أن روسيا تلقت عروضا من معارضين سوريين من "منصتي" موسكو والقاهرة، تتضمن اقتراح "تشكيل مجلس عسكري خلال مرحلة انتقالية يتم الاتفاق حول مدتها".
وشملت تلك العروض قيام شخصيات سورية معارضة بعرض أفكار بصفة شخصية على الجانب الروسي حول تشكيل مجلس عسكري ومهماته.
وهو ما نفته منصتا القاهرة وموسكو جملة وتفصيلا، وأكد بعض من التقوا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، بموسكو في 21 يناير الماضي/ كانون الثاني الماضي، أنهم تحدثوا معه في قضايا بصفتهم الشخصية. وهو ما يُقلّل من جدّية عودة طرح المجلس العسكري المشترك.
من المنطقي أن لا تُقدّم منصتا القاهرة وموسكو مثل هذا المشروع، لأنه بعيد عن أيديولوجيتهما الساعية إلى تمرير الخيارات الأكثر رقّة والأقل مجابهة.
بينما هذا الخيار/ المشروع، أي "المجلس العسكري المشترك"، هو خيار ناري يحتاج لمواقف قوية ورعاة أقوياء مقتنعون به كليا وبقدرات من سيقوم به.
صحيح أن "بيان جنيف" والقرار 2254 لم يشيرا إلى أن شيء اسمه مجلس عسكري، ولم يطرحا مثل هذا الحل أو الفكرة، وصحيح أن البعض قد يعتبر أن مشروع "المجلس العسكري المشترك" هو مشروع انقلابي على الحل السياسي، وقد يعيد حكم العسكر ولأمد غير محدد، لكن يرى بعض السوريين أنه يمكن النظر به ودراسته أمام انسداد كل آفاق الحل في سوريا.
وأمام تشبّث الأسد ونظامه بالحكم حتى آخر قطرة دم لسوري، وأمام رفض حلفائه أي حلول لا تضمن مصالحهم، يجب على المعارضة السورية دراسة هذا الطرح بجّدية وتفكيكه، ومعرفة مدى مناسبته ونجاعته وإمكانياته ومحاذيره ومخاطره.
وعلى المعارضة الخروج بوثيقة واضحة تُعرض على السوريين حول قدرة هذا المشروع، بعديده وتدريبه، على إنهاء أي دور لرأس النظام وزمرته، ووضع حد لميليشياتهم المنفلتة، ومُرتزقة إيران ولبنان.
وكذلك إيضاح إن كان هو الحل الوطني لمحاربة "داعش" وأشباهها، وإن كان ممكنا أن يتعهد مثل هذا المجلس، وبضمانة دولية، بأن لا يتدخل في الشأن السياسي، ولا يعود سلطة عسكرية بديلة عن السلطة الحالية.
ربما يكون هذا المجلس هو أقصر الطرق لإنهاء حرب أكملت ثلاثة آلاف وخمسمئة يوم من التدمير والتخريب دون أمل على المدى المنظور.
** الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لوكالة الأناضول.
news_share_descriptionsubscription_contact


