Nour Mahd Ali Abuaisha
14 نوفمبر 2024•تحديث: 14 نوفمبر 2024
غزة / الأناضول
داخل خيمة بمركز إيواء بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يردد أطفال فلسطينيون أغان وأناشيد وطنية رغم الجروح الغائرة التي خلفتها في نفوسهم الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ 7 أكتوبر 2023.
الأطفال ينشدون ضمن تدريب "كورال غنائي" بين خيام النزوح في مدرسة "النصيرات الإعدادية ب للبنين" والتي تحولت بفعل الحرب لمركز إيواء، ووسط الدمار الذي لحق بمخيم النصيرات إثر الغارات الإسرائيلية المتواصلة.
وعلى وقع أغنية "إني اخترتك يا وطني حباً وطواعية.. إني اخترتك يا وطني سراً وعلانية" يبدي الأطفال تماسكا وانسجاما وهم يرددون كلماتها بصوت عذب.
هذه واحدة من مجموعة أغان وأناشيد تدرب عليها الأطفال وأظهروا خلال أدائها حماسا ورغبة في تناسي واقع حرب الإبادة.
مع هذه الأنشطة الغنائية تتشكل مساحة ترويحية تتيح للأطفال التفريغ عن أنفسهم في محاولة للتخلص من صدمات وآثار الحرب.
وتشير تقديرات نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" في 3 سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى "تأثيرات كارثية" للحرب على الأطفال، قائلة في تقرير إن "الأطفال في غزة يموتون بمعدل مقلق".
وقالت "اليونيسف" إن أطفال غزة "بحاجة إلى دعم منقذ للحياة.. لا يوجد مكان آمن للأطفال مع تفاقم الأزمة الإنسانية".
وبشكل متكرر ينفذ فلسطينيون مبادرون ومؤسسات محلية وأممية فعاليات ترفيهية للأطفال داخل مخيمات النزوح في مناطق مختلفة من القطاع.
هذه الفعاليات التي تهدف بمجملها للتخفيف من الأوضاع النفسية للأطفال، تشمل "أنشطة وألعاب ترفيهية وتدريب على الغناء والدبكة الشعبية".
كما يقول فلسطينيون ونازحون إن هذه الأغاني محاولة لبث وإعادة إحياء الأمل في نفوسهم بعد 405 أيام من الإبادة المتواصلة.
تفريغ نفسي
وبشكل متواصل، يتفاعل الأطفال مع التدريبات الغنائية في مشهد يعكس حبهم لهذه الأنشطة التي افتقدوها وغيرها خاصة مع تعطل الدراسة للعام الثاني على التوالي بسبب حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل.
وكان الأطفال قبل اندلاع حرب الإبادة، يشاركون بأنشطة ترفيهية وتدريبية غنائية أو استعراضية في المدارس ضمن برامج لتطوير القدرات والمواهب، لكن الحرب غيّبت هذه التفاصيل.
يقول بعض الأطفال في أحاديث منفصلة للأناضول، إنهم جاؤوا لتعلم الغناء للترفيه والتفريغ عن أنفسهم وللخروج من أجواء القصف والحرب والخوف.
وفي سبتمبر الماضي حذر المفوض العام لوكالة "الأونروا" الأممية فيليب لازاريني من ضياع مستقبل جيل كامل من الأطفال بسبب تعذر تلقيهم حقهم في التعليم.
ولأكثر من مرة حذرت مؤسسات حقوقية فلسطينية وأممية من ارتفاع عدد الضحايا الأطفال سواء الذين قتلوا أو جرحوا أو يتّموا أو تعرضوا لانتهاكات مختلفة من اعتقال وتجويع وتعطيش.
كما قالت المسؤولة بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ليزا دوتن في 9 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إن 10 أطفال يفقدون بشكل يومي إحدى الساقين أو كليهما، جراء القصف الإسرائيلي.
وتابعت: "أصبحت غزة موطنا لأكبر مجموعة من الأطفال مبتوري الأطراف في التاريخ الحديث".
إعادة الطفولة
فكرة تشكيل الكورال المكون من 30 طفلا تقل أعمارهم عن 12 عاما، وتدريبهم على الغناء للوطن والحرية، نبعت من دافع إعادة جزء من الطفولة المسلوبة لهم.
وتحمّل الأطفال خلال حرب الإبادة مسؤوليات وأعباء كبيرة، فبات بعضهم معيلين لأسرهم فيما يشارك آخرون في توفير حاجيات عائلاتهم، بينما فقد بعضهم أحد ذويهم أو جميعهم أو أطرافهم.
ويقول صاحب المبادرة صالح جبر، وهو طالب في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، إن رؤية الكورال بسيطة وتكمن في "إعادة جزء من الطفولة التي سلبتها منهم حرب الإبادة".
ويضيف جبر، وهو مدرب الكورال وهاوي عزف على العود، للأناضول: "نقوم بتدريب الأطفال على الكورال والغناء والعزف على العود".
ويوضح أن هذه المبادرة جاءت "لتغيير الأجواء التي اعتاد عليها الأطفال المتمثلة في القصف والبكاء والحزن والمشاهد البشعة التي مروا بها خلال الحرب، والانتقال لعالم آخر يمدهم بالأمل".
ويستكمل قائلا: "الموسيقى تغذي روحهم وتعطيهم الأمل بوجود مستقبل لهم".
ويشير إلى تفاعل كبير من الأطفال وفرحة خلال أدائهم الموسيقى، وسط غياب مساحات للمرح بسبب ما فرضته الحرب عليهم من حياة "نزوح وتعب ووقوف في طوابير منهكة للحصول على طعام ومياه".
يحاول جبر بالأنغام التي ينسجها بأنامله دفع الأطفال للمشاركة والغناء، محفزا إياهم على التفاعل والاندماج مع الموسيقى بطرق مختلفة.
محاولة لكسر أهوال الحرب
دعاء الخطيب (28 عاما) تعيش بذات مركز الإيواء الذي يضم خيمة "الكورال الغنائي"، تقول للأناضول إنها تستمتع بأصوات الأطفال وهم يغنون للوطن والسلام.
وتضيف الخطيب في اتصال هاتفي مع مراسلة الأناضول: "منذ فترة طويلة لم نسمع أصوات أطفال بهذه الروح الإيجابية".
وتعتبر هذا الكورال "محاولة بسيطة لكسر أهوال حرب الإبادة بغزة والتخفيف من وطأتها عليهم بما يخرجهم من دائرة الانفجارات والموت المحيطة بهم باستمرار".
وتعرب الخطيب عن أمنياتها أن تتاح لها فرصة المشاركة بنشاط ترفيهي، لافتة إلى حاجة الشباب أيضا لمساحة للتفريغ بعد تراكمات أكثر من 405 أيام من إبادة "مجنونة وقاسية استخدم فيها الجيش كافة الأسلحة وأبشع أنواع القتل والتعذيب".
وبدعم أمريكي ترتكب إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، خلفت نحو 147 ألف قتيل وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 10 آلاف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قتلت عشرات الأطفال والمسنين، في إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية بالعالم.
وتواصل إسرائيل مجازرها متجاهلة قرار مجلس الأمن الدولي بإنهائها فورا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية وتحسين الوضع الإنساني الكارثي بغزة.