Arif Yusuf
14 يونيو 2017•تحديث: 14 يونيو 2017
نينوى/محمد وليد/الأناضول
هي رحلة موت تلك التي يخوض غمارها موصليون، هرباً من آخر الأحياء التي يسيطر عليها تنظيم "داعش" الإرهابي.
من يستمع لقصص هروبهم، يظنها لعبة في العالم الافتراضي، أبعد ما تكون عن الحقيقة، فما هي إلا نافذة من 7 دقائق للحياة، في ظل حصار الموت الخانق.
ففي الموصل القديمة، يكتظ سكان المباني المتهالكة والمتلاصقة في الأزقة الضيقة والمتشعبة، وسط حصار القوات العسكرية العراقية، وإرهاب "داعش"، الذي يتخذ منهم دروعاً بشرية، في آخر معاقله بالمدينة.
- عبور دجلة
"الجوب"، وهو إطار مطاطي كبير، وبضع دقائق بعد منتصف الليل، وكثير من الحظ، مستلزمات الفرار عبر نهر دجلة، بحسب الموصلي "أحمد محمود" (24 عاماً)
لم يكن "محمود"، يعلم أو يخطر بباله، أنه قد يحتاج يوماً إلى ذلك "الجوب"، الذي كان يستخدمه للسباحة في صغره؟ ويضيف للأناضول: "تركته منذ صغري، لكنني بحثت عنه وأعدت نفخه لأخوض به رحلة إنقاذ عائلتي، المتكونة من خمسة أفراد".
أمضت عائلته، التي تتكون من والديه وشقيقته ذات الأعوام العشرة، وشقيقه ذو العامين، يومان في التدرب على ركوب الإطار في الماء؛ وذلك "بشكل سري داخل المنزل، الذي كنا نوصد أبوابه ونخشى من أية حركة غير طبيعية، فأي خطأ قد يكلفنا حياتنا، لكنني كنت مصمماً على الفرار".
بشيء من الألم والحسرة يروي محمود قصة الفرار، ويقول: "وصلت عقارب الساعة 12 منتصف الليل، وهو الموعد المتفق عليه للهروب برفقة ثلاثة عوائل أخرى، نحتاج إلى 7 دقائق وفق استطلاع أجريته مع جيراننا، لتجرفك مياه النهر وصولاً إلى القوات العراقية".
ويضيف: "يفصل منازلنا عن حافة النهر جدار بطول ثلاثة أمتار، وضعنا في أحد الجهات سلماً لعبور العائلات، وبدأ التسلل إلى ضفة النهر (الجانب الغربي للموصل حيث الموصل القديمة)، اكتشفت حينها أن الرعب لدى النساء يمنحهن الشجاعة، فقد وقفن على أعلى الجدار وبدأن بالقفز إلى الجهة الأخرى".
ركبت عائلة محمود الإطار بشكل يحفظ لهم توازنه، وبدأوا بالتجذيف بأيديهم مع تيار النهر؛ "توكلنا على الله وتلونا بعض السور القرآنية، وبدأت المهمة".
"وبعد دقيقتين فقط، شعرت بنا عناصر داعش، بسبب أصوات بعض الأطفال وأصوات المياه والتجذيف، وبدأوا إطلاق النار نحونا، وازداد صراخ الأطفال والنساء، ثم تنبهت قوات الجيش العراقي في الضفة الأخرى لما يحدث، وبدأوا يحاولون شغل داعش من خلال إطلاق النار عليهم، لكننا كنا نتوسطهم، فداعش من خلفنا والجيش من أمامنا، ونخشى أن يسقط أحدهم في ماء النهر".
يتحرك محمود وهو يروي قصته بشيء من الارتباك، ولا تزال آثار الصدمة ظاهرة على وجهه بالرغم من مضي 7 أيام على الحادثة.
ويقول: "سمعت صرختين من العائلتين الأخريين، وعلمت أن أماً وابنتها قتلا بنيران قناص داعش".
ومع الاقتراب من القوات العراقية، أمر الكبار صغارهم بالصراخ، لإعلام القوات أنهم هاربون وليسوا متسللين من عناصر داعش".
إلا أنها لم تكن نهاية سعيدة، فيقول وهو يمسح دموعه: "قبل أن نصل إلى القوات العراقية، قالت لي أمي: يا بني، أعتقد أنني أصبت في رأسي؛ مددت يدي على رأسها وإذا بالدماء تسيل منه، خفضت يدي في النهر لأزيل آثار الدم، وأخبرتها بعد أن وضعت يدي أمامها أنه لا يوجد شيء".
أكمل محمود شهادته للأناضول، التي أدلى بها في مستشفى غربي أربيل (شمال)، حيث لا تزال والدته تخضع للعناية المركزة ولا زالت فاقدة الوعي.
وقال: "بعد وصولنا طلبت، متوسلاً، من القوات العراقية أن تنقل والدتي إلى المستشفى، لكنهم أبلغوني بأن العربة العسكرية لا يمكن أن تتحمل أكثر من أمي المصابة وأختى وشقيقي الصغير، وأجبروني على النزول عنوة".
"بعدها، اتهمنا أحد العناصر الأمنية أننا من تنظيم داعش، فأخبرتهم أنه لا حول لنا ولا قوة، وقد كنا محاصرين وها هي أمي أصيبت ولا أعلم مصيرها".
يتابع محمود: "أخذوني ووالدي إلى مخيم حمام العليل، جنوب الموصل، حيث مركز التدقيق الأمني، جلسنا حتى الصباح بدون أغطية ولا تقديم أية مساعدات. بعدها وجدت شرطياً لا زلت أذكر موقفه الشهم، حين أخذ بيدي إلى جميع المراكز الصحية بحثاً عن والدتي، قبل أن نجدها في مستشفى غرب أربيل".
لم يكمل محمود قصته، أو شهادته عن أوضاع الموصل القديمة، فقد تفاقم وضع أمه بعد فقدان حقنة علاجية من المستشفى، والتقيناه في اليوم التالي وهو يجلس بالمقعد الخلفي في سيارة، وإلى جانبه جثة أمه مغطاة.
وكان آخر ما قاله؛ بعد أن أخفض نافذة السيارة: "إلى الموصل سنعود لندفن أمي حيث ولدت، هذه هي نهاية قصتنا، فأسدل الستار عليها".