بيروت/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
** الباحث في الشؤون الاستراتيجية العميد المتقاعد هشام جابر:
تحولت مدينة بنت جبيل جنوبي لبنان إلى ساحة اشتباك مباشر بين قوات الجيش الإسرائيلي وعناصر "حزب الله" الذين يعتمدون على تكتيكات جديدة للاستنزاف، ما يعكس تحولا بطبيعة العمليات البرية ومؤشرا لمعركة طويلة ذات كلفة مرتفعة للطرفين.
ومنذ أسبوع، تتواصل الاشتباكات في بنت جبيل، وسط معارك وُصفت بأنها من "مسافة صفر"، حيث تحاول القوات الإسرائيلية التقدم داخل المدينة، في حين تتصدى لها عناصر "حزب الله" عبر كمائن وعمليات استهداف مباشرة.
وبحسب وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية، يركز مقاتلو "حزب الله" على ضرب خطوط إمداد القوات المتوغلة واستهداف تحركاتها داخل الأحياء، لا سيما في محيط الملعب البلدي وحي البركة، ضمن نمط قتال يعتمد الحركة والمباغتة (الكر والفر) بدل التمركز التقليدي.
في المقابل، كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن خطة لإنشاء 15 معسكراً دائماً في القرى الحدودية اللبنانية، في خطوة تعكس توجهاً لتثبيت وجود ميداني طويل الأمد، خصوصا مع تلقي الجيش الإسرائيلي تعليمات بتكثيف عملياته وتحقيق أكبر قدر من الإنجازات.
وبين سعي إسرائيل لتحقيق إنجاز ميداني سريع، واعتماد "حزب الله" على استراتيجيات الاستنزاف، تبدو معركة بنت جبيل مرشحة لتكون نقطة مفصلية في مسار المواجهة، في وقت يترقب فيه الجميع ما ستسفر عنه جهود دبلوماسية موازية تقودها واشنطن للتوصل إلى اتفاق لوقف النار.
الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب، قال للأناضول، إن أهمية المدينة لإسرائيل تتجاوز بعدها العسكري، لتشمل بُعداً معنوياً مرتبطاً بإعلان "معادلة الردع" بعد انسحاب قوات الجيش من جنوب لبنان.
وأوضح أن بنت جبيل تقع ضمن نطاق تسعى إسرائيل إلى تحويله لمنطقة عازلة بعمق 8 كيلومترات، ما يجعل السيطرة عليها هدفاً مركزياً في أي عملية برية مستقبلا.
وأشار إلى أن القوات الإسرائيلية حاولت تطويق المدينة من عدة اتجاهات قبل اقتحامها، إلا أنها تواجه مقاومة شرسة تعرقل هذا التقدم، الأمر الذي حوّل المعركة إلى مواجهة مفتوحة داخل الأحياء.
وتقع بنت جبيل، على بعد نحو 3 كيلومترات فقط من الحدود مع إسرائيل، وتُعد من أبرز مدن الجنوب اللبناني، ليس من حيث موقعها الجغرافي فقط، بل من حيث رمزيتها السياسية والعسكرية أيضا منذ حرب 2006.
وترتفع بنت جبيل عن سطح البحر نحو 770 متراً وتبعُد عن العاصمة بيروت بنحو 122 كلم، وتتمتع بأهمية استراتيجية بتموضعها في القسم الأوسط من الحدود اللبنانية الإسرائيلية بمحافظة النبطية.
وبعد انسحاب إسرائيل عام 2000 من جنوب لبنان، ألقى الأمين العام السابق لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، خطابًا في ملعب ببنت جبيل قال فيه إن "إسرائيل رغم امتلاكها سلاحًا نوويًا وأقوى سلاح جو في المنطقة، فهي أضعف من بيت العنكبوت"، ومن هنا تأتي الأهمية الرمزية للمنطقة.
وسائل الإعلام الإسرائيلية أعادت بث الخطاب بعد محاصرة الجيش لبنت جبيل وبدء هجماتها، كما نشرت صورًا تُظهر قصف إسرائيل للملعب الذي ألقى فيه نصر الله، ذلك الخطاب.
وفي قراءته لسلوك "حزب الله" الميداني، أشار الخبير العسكري إلى تحول لافت في استراتيجية القتال، حيث لم تعد عناصر الحزب تعتمد على خطوط دفاع ثابتة كما في المواجهات السابقة، بل انتقلت إلى نموذج "الدفاع المرن".
وأوضح أن الأسلوب الجديد يقوم على استنزاف القوات المهاجمة بدلاً من منع تقدمها بالكامل، وذلك من خلال كمائن متنقلة، وضربات مركزة على خطوط الإمداد، وإعادة الانتشار داخل القرى.
واعتبر الخبير العسكري أن هذا النهج يفسر استمرار القتال في مناطق أعلنت إسرائيل السيطرة عليها، مثل بلدة الخيام، حيث لا تزال الاشتباكات قائمة.
كما أشار إلى أن وجود مدنيين في بعض المناطق، رغم القصف، يعكس استمرار السيطرة الجزئية للقوى المحلية داخل تلك المناطق.
في المقابل، رأى الخبير ملاعب، أن إسرائيل تعتمد بشكل كبير على قوتها الجوية، مع تصعيد الغارات بمناطق مدنية.
واعتبر الضربات تأتي في إطار الضغط الميداني أكثر من كونها ذات أهداف عسكرية مباشرة.
وحذر "ملاعب"، من أن هذا النمط قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد، خاصة في ظل ارتفاع أعداد الضحايا، ما يضع لبنان أمام وضع إنساني وأمني معقد.
وفي تصريحات سابقة للأناضول، أوضح مصدر أمني أنه جرى رصد قوات الجيش الإسرائيلي في بلدات الناقورة، البياضة، القوزح، بيت ليف، يارين، العديسة، القنطرة، ميس الجبل، ودير سريان الخيام، إضافة لقرى جنوبية أخرى.
والأربعاء، قتل 13 شخصا وأصيب 6 آخرون على الأقل، إثر 24 غارة إسرائيلية استهدفت مناطق عدة جنوبي لبنان.
ويواصل الجيش الإسرائيلي منذ 2 مارس/ آذار الماضي ضرباته العنيفة على لبنان، أسفرت حتى الأربعاء عن 2167 قتيلا و7 آلاف و61 جريحا.
الباحث في الشؤون الاستراتيجية العميد المتقاعد هشام جابر، تحدث للأناضول، عن البعد العملياتي لبنت جبيل، التي قال إنها "عقدة عملياتية" تحتضن طرقا رئيسية تربط بين عدة محاور قتالية في الجنوب.
وأوضح أن المدينة تشكل نقطة وصل بين بلدة الخيام والبقاع الغربي والقطاع الأوسط، ما يجعل السيطرة عليها ضرورة لأي تقدم إسرائيلي نحو نهر الليطاني.
وشدد على أن تجاوز بنت جبيل دون السيطرة عليها "غير ممكن عسكرياً"، نظراً لما تمثله من تهديد لأي قوات متقدمة.
ورجح الخبير جابر، أن تتحول بنت جبيل إلى ساحة استنزاف طويلة.
وأشار إلى أن طبيعة القتال داخل المدن، خاصة إذا تعرضت لدمار واسع، تعزز من فعالية حرب العصابات لصالح المدافعين، إذ يتيح لهم ذلك تنفيذ كمائن والاشتباك من مسافات قريبة جدا تزيد من خسائر القوات المهاجمة.
وأضاف أن المقاتلين مستعدون لخوض معارك طويلة الأمد حتى في حال الحصار، مستندين إلى خبرات سابقة في هذا النوع من القتال.
وفي تقييمه لسير العمليات، لفت جابر، إلى أن التقدم الإسرائيلي "لا يزال بطيئا، رغم حشد قوات كبيرة تقدر بعشرات آلاف من الجنود".
وقال إن القوات الإسرائيلية لم تتقدم سوى بضع كيلومترات خلال أسابيع من العمليات، ما يعكس "صعوبة تحقيق اختراق سريع في ظل طبيعة الأرض وأساليب القتال المعتمدة".
وأردف أن هذا البطء "يتعارض مع ما هو متوقع من العمليات التقليدية، حيث كان من المفترض الوصول إلى نهر الليطاني خلال فترة زمنية أقصر بكثير".
وفي ظل هذا المشهد، تتقاطع العمليات العسكرية مع تحركات سياسية متسارعة، حيث استضافت واشنطن، الثلاثاء، للمرة الأولى من نوعها منذ 43 عاما، مباحثات بين لبنان وإسرائيل، اتفق الجانبان في ختامها على بدء مفاوضات سلام يُحدد مكانها وزمانها بوقت لاحق.
كما بدأ المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابنيت)، مساء الأربعاء، اجتماعا لبحث طلب أمريكي بوقف إطلاق النار مع "حزب الله".
وقال هيئة البث الإسرائيلية إن الكابنيت، يناقش حاليا الطلب الأمريكي لوقف إطلاق النار، وقد أعرب العديد من الوزراء عن معارضتهم للطلب.
الهيئة، نقلت عن مصدر إسرائيلي لم تسمه إن "مفاوضات متقدمة جارية لوقف إطلاق نار مؤقت بين إسرائيل وحزب الله"، بطلب أمريكي.
وأضاف المصدر أنه "من المحتمل أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ خلال الأيام القادمة".
وزاد بأن إسرائيل "لا ترفض طلب الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار مؤقتا، مقابل التزام بالعودة إلى القتال إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع إيران، وبشرط أن يتوقف إطلاق النار من جانب حزب الله".
ولم يصدر على الفور تعقيب من "حزب الله"، الذي يهاجم أهداف إسرائيلية بصواريخ وطائرات مسيرة، ردا على اعتداءات تل أبيب المتواصلة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في نوفمبر/ تشرين الأول 2024.
news_share_descriptionsubscription_contact
