راشيا الفخار/ وسيم سيف الدين/ الأناضول
* رئيس "التعاونية الحرفية لإنتاج وتسويق الفخار" في البلدة، وسام خليل:
- البلدة عرفت صناعة الفخار "من عهد التكوين"، وكانت مصدر الرزق الأساسي لأجيال متعاقبة وللقرى المحيطة.
- الحروب الإسرائيلية والتهجير والاحتلالات أدت إلى نزوح نحو 95 بالمئة من أبنائها وحرمت جيلا من نقل المعرفة التي ينبغي مراكمتها من عمر 5 سنوات.
- تحول الفخار من ضرورة منزلية كأواني الطبخ إلى سلعة تراثية وزينة، مع حلول البلاستيك والمعادن والزجاج محله.
- ارتفاع كلفة الطاقة والأفران والمولدات منذ 2017 جعل الإنتاج غير مجدٍ اقتصاديا، ونفتح الورش فقط لنثبت وجودنا.
- الدورات التدريبية نجحت كتجربة أو هواية لكنها فشلت في جذب جيل جديد يمتهن هذه الحرفة.
- الحرفة تحتاج بيئة متكاملة تشمل مواد أولية وطاقة وسوق للترويج، ودعم، لتكون مصدر رزق مستدام.
بينما تدور العجلة ببطء، تتشكل قطعة من الطين تحمل ذاكرة أجيال تعاقبت على هذه الحرفة في بلدة راشيا الفخار جنوبي لبنان، قبل أن تتراجع تدريجيا تحت وطأة الحروب والتهجير والأزمات الاقتصادية وتبدّل أنماط الاستهلاك.
في هذه البلدة لم يكن الفخار مجرد مهنة يزاولها بعض أبنائها، بل كان جزءا من هويتها التصق باسمها، لتصبح "راشيا الفخار" واحدة من أبرز البلدات اللبنانية ارتباطا بهذه الحرفة التقليدية.
لكن المفارقة أن البلدة التي حملت الفخار في اسمها باتت اليوم تخشى فقدان الحرفة التي منحتها هذا الاسم.
يقول رئيس "التعاونية الحرفية لإنتاج وتسويق الفخار" في راشيا الفخار، وسام خليل، إن البلدة عرفت هذه الصناعة "من عهد التكوين".
ويضيف في حديث للأناضول، إن أجيالا متعاقبة تعلمت المهنة ومارستها حتى أصبحت مصدر الرزق الأساسي لعدد كبير من سكانها، كما استفادت منها القرى المحيطة عبر المشاركة في جمع التراب والحطب ومراحل العمل اليدوي.
ويستدرك: "لكن هذه الصورة بدأت تتغير منذ أواخر ستينيات القرن الماضي ومطلع السبعينيات مع الحروب والتهجير والاحتلالات الإسرائيلية التي طالت البلدة".
وأشار إلى أن نحو 90 إلى 95 بالمئة من أبناء البلدة اضطروا إلى النزوح في إحدى مراحل تلك الفترة لم يعد منهم سوى عدد قليل، بينهم بعض حرفيي الفخار وعائلاتهم، ما أدخل المهنة في مسار تراجع مستمر.
في الماضي، كان الفخار جزءا من الحياة اليومية لأهالي الجنوب، وليس مجرد منتج للزينة كما هو الحال اليوم، وارتبط اسم "راشيا الفخار" بالصناعة التي اشتهرت بها المنطقة منذ عقود، وكانت منتجاتها تصل إلى مناطق واسعة في الجنوب.
وتشير روايات محلية إلى أن البلدة كانت تضم عشرات المشاغل في ذروة ازدهار المهنة خلال القرن الماضي، فيما تراجعت أعدادها تدريجيا إلى عدد محدود جدا من الورش التي لا تزال تعمل حتى اليوم.
ويلفت خليل إلى أن تغيّر السوق يشكل جانبا آخر من أزمة الصناعة، فالظروف الأمنية الحالية جعلت الوصول إلى جزء من أسواقه التاريخية أكثر صعوبة.
ويستذكر أن "نحو 95 بالمئة من منتجات البلدة كانت تصل إلى مختلف مناطق جبل عامل (الجنوب اللبناني) وصولا إلى الناقورة" في أقصى الجنوب.
ويضيف: "كانت الأواني الفخارية ضرورية في كل منزل، تستخدم في الطبخ وحفظ المياه والمواد الغذائية، من الصحون والطاسات والقدور إلى الجرار والخوابي والأباريق.
ويستدرك: "أما اليوم، فقد تغيرت وظيفة المنتج، كما تغيرت السوق، الفخار أصبح سلعة تراثية أو تذكارية للزينة، مثل الكوب أو المزهرية أو الصحن المعلق على الحائط.
ويضيف: "في الوقت نفسه، تغيرت عادات المستهلكين فالأواني البلاستيكية والمعدنية والزجاجية حلت في كثير من الاستخدامات اليومية مكان الفخار فيما باتت المنتجات الفخارية الحالية تعتمد بدرجة أكبر على الأشكال الصغيرة المخصصة للزينة.
وقال إن أبناء جيله عندما يرون إبريقاً أو قطعة فخارية تعود إلى الماضي "يحنّون"، لأنهم يتذكرون مرحلة كان فيها الفخار جزءاً من حياتهم اليومية، وليس مجرد قطعة توضع على رف.
وفق خليل، "لم يكن التهجير مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان قطعاً لسلسلة طويلة من نقل المعرفة، فصناعة الفخار التقليدية ليست حرفة يمكن إتقانها خلال أشهر، إنما تحتاج إلى سنوات طويلة من التدريب والممارسة".
وقال إن الطفل كان يبدأ تعلم المهنة في سن مبكرة جداً، ومن يريد الوصول إلى مستوى المعلّم يجب أن يعيش مع الحرفة ويتمرن عليها منذ الطفولة.
وشرح خليل أن صنع قطعة صغيرة مثل كوب ممكن خلال فترة قصيرة نسبيا، لكن صناعة إبريق أو جرة أو خابية بمستوى احترافي تتطلب خبرة متراكمة.
وأضاف: "من يريد تعلم هذه الصنعة يجب أن يبدأ بها من عمر 5 سنوات".
وأشار إلى أن "التهجير حرم جيلا كاملا من فرصة نقل هذه المعرفة إلى أبنائه".
وعن ذلك قال إنه تعلم صناعة الفخار من والده، لكنه لم يتمكن بسبب الظروف من تعليم أبنائه، وهو ما حصل مع حرفيين آخرين، لأن التهجير المتكرر منعهم من العمل بصورة منتظمة.
ومنذ 2 مارس/ آذار الماضي، تشن إسرائيل عدوانا على لبنان، ما خلّف ما لا يقل عن 4 آلاف و386 قتيلا و12 ألفا و407 جرحى، وأكثر من مليون نازح، وفق السلطات اللبنانية.
وتواصل إسرائيل عدوانها رغم توقيع البلدين، برعاية أمريكية، في 26 يونيو/ حزيران الماضي، اتفاق "صيغة إطار"، ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح "حزب الله".
وتحتل إسرائيل مناطق في جنوبي لبنان، بعضها منذ عقود، وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما توغلت خلال العدوان الراهن لمسافة تزيد على 10 كيلومترات.
رغم كل ذلك، لم تتوقف محاولات إعادة إحياء الحرفة، وعام 2003، تأسست التعاونية الحرفية لإنتاج وتسويق الفخار، فيما بدأ العمل على مركزها وتجهيزاته لاحقا، في محاولة لتنظيم الإنتاج والتدريب وتسويق منتجات البلدة.
وقال خليل إن العمل جرى "خطوة بخطوة"، لكن التحديات الاقتصادية سرعان ما أصبحت أكبر من قدرة الحرفيين على تحملها.
وأضاف أنه منذ عام 2017 دخل الإنتاج في مرحلة أكثر صعوبة، بعدما أصبحت كلفة تشغيل الأفران والطاقة مرتفعة إلى درجة تجعل إنتاج كميات محدودة من الفخار غير كاف لتغطية كلفة التشغيل.
وقال إن الأفران والمعدّات تعتمد على الكهرباء، وفي ظل انقطاع كهرباء الدولة يصبح الاعتماد على المولدات والمازوت أمراً مكلفاً للغاية.
واختصر رئيس "التعاونية" واقع الورش اليوم بالقول: "نفتح أبواب متاجرنا ونغلقها فقط لنثبت أننا موجودون على الأرض".
ثم جاءت جائحة كورونا، تلتها الأزمة الاقتصادية اللبنانية عام 2019، قبل أن تتفاقم الحرب الإسرائيلية الأخيرة في الجنوب منذ عام 2023، ما أثّر على حركة الإنتاج والتسويق والمساعدات، وفق خليل.
ومنذ العام 2019 يعاني اللبنانيون من أوضاع معيشية واجتماعية صعبة؛ نتيجة تراجع قيمة الليرة والرواتب، وعدم قدرة الدولة والمؤسسات الخاصة على تصحيحها.
حاولت التعاونية مواجهة مشكلة انقطاع الجيل الجديد عن الحرفة عبر تنظيم دورات تدريبية لأبناء البلدة والجوار.
وقال خليل إن الإقبال على الدورات كان جيدا، لكن معظم المشاركين نظروا إليها باعتبارها تجربة أو هواية، وليس باعتبارها مهنة يمكن الاعتماد عليها كمصدر دخل.
ويعزو ذلك إلى تغير الظروف الاقتصادية وظهور مصادر رزق أخرى قد تكون أسرع وأسهل بالنسبة إلى الشبّان.
ورأى أن المشكلة ليست في عزوف الشباب وحده، إنما في غياب البيئة التي تسمح للحرفة بالتحول إلى مهنة مستدامة، فالحرفي يحتاج إلى مادة أولية، وفرن، وطاقة، وسوق، وقنوات للتسويق، إضافة إلى سنوات من التدريب.
وأضاف: "وفي حال غابت هذه العناصر، يصبح من الصعب إقناع جيل جديد بأن يختار صناعة الفخار كمصدر رزق دائم".
وفق خليل، تحاول البلدة الاستفادة من البعد التراثي لصناعة الفخار لجذب الزوار، لكنه يرى أن زيارة السائح للمشغل لا تكفي وحدها لإنقاذ المهنة.
ويقول إن السياح يأتون، يشاهدون طريقة صناعة الفخار، يلتقطون الصور، ثم يغادرون، وبعدها نقفل المشغل ونعود إلى بيوتنا".
وتكشف هذه الصورة الفجوة بين القيمة التراثية للحرفة وقيمتها الاقتصادية الفعلية، فأن "تصبح صناعة الفخار جزءاً من تجربة سياحية لا يعني بالضرورة أن تصبح مصدر دخل قادراً على إعالة الحرفيين"، بحسب خليل.
المعركة الأخيرة
في الوقت الحالي، لا تزال في راشيا الفخار مشاغل قليلة تحاول مواصلة العمل، حيث يصر أصحابها على أن الحرفة ليست مجرد ذكرى من الماضي.
ويقول خليل إنه لا يريد أن "يتعلم أبناء البلدة صناعة الفخار للتسلية، بل أن يتمكنوا من امتهانها والعيش منها بكرامة".
ويرى أنه يمكن للفخار أن يكون مهنة منتجة إذا توافرت الطاقة والأسواق والدعم والتدريب، لكن استمرار الحرفة بالشكل التقليدي يحتاج قبل كل شيء إلى جيل جديد يحملها.
كما لفت إلى أنه "بينما تستمر أيدي عدد قليل من الحرفيين في تدوير الطين داخل مشاغل متواضعة، تبدو المعركة الحقيقية اليوم أكبر من إنقاذ منتج تراثي، هي معركة إبقاء المعرفة نفسها على قيد الحياة".
واعتبر خليل أنه إذا توقفت العجلة "لن يختفي مجرد مشغل آخر من البلدة، بل قد تنقطع حلقة من سلسلة امتدت لأجيال في بلدة أصبح اسمها نفسه شاهدا على حرفة تخشى أن تتحول من صناعة حية إلى ذكرى".
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story


