سارة آيت خرصة
الرباط – الأناضول
دعا عبد العزيز التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، قادة العالم الإسلامي للتدخل بشكل عاجل للحفاظ على وحدة مالي، معربًا عن خشيته من أن تتحول مالي إلى "صومال غرب إفريقيا".
وفي حوار مع مراسلة الأناضول، كشف التويجري عن استعداد الإيسيسكو للوساطة والحوار بين أطراف الأزمة في مالي، معتبرًا أنه كان من الخطأ السماح بالتدخل الأجنبي في هذا البلد الإفريقي.
وتمنى التويجري أن تنضم تركيا إلى عضوية الإيسيسكو، منوهًا بالجهود التي تبذلها أنقرة في دعم قطاعات الثقافة والعلوم والتربية في العالم الإسلامي.
وفيما يلي نص الحوار:
* يتصاعد بشكل كبير في العالم الإسلامي خطاب طائفي أضحى يهدد السلم الداخلي لعدد من الدول العربية المسلمة، أنتم في المنظمة ما هي الإستراتيجية التي تنتهجونها للتصدي لآثار هذا "الحشد الطائفي"؟
** من المؤسف أن الخطاب الطائفي ظهر خلال السنوات الأخيرة وتصاعد بشكل كبير في المجتمعات الإسلامية وبين أبناء البلد الواحد. ومع أن الخلافات المذهبية في الأمة الإسلامية كانت قائمة منذ صدر الإسلام وفي العهدين الأموي والعباسي وفي العهود التي تلت ذلك، لكنها لم تنحدر إلى المستوى الذي نشهده اليوم، والذي يؤثر على مصالح الأمة الإسلامية وعلى علاقات شعوبها بعضها ببعض.
والجهات التي تحرك هذه النعرات الطائفية هي جهات مغرضة ومتعصبة؛ لذلك لابد من الوقوف في وجهها؛ لأن الأمة تحتاج إلى تكاتف كل أبنائها وسلامة العلاقات بينهم.
ومن يوقظون هذا الخطاب الطائفي هدفهم إضعاف الأمة وتشتيت شملها، وفي هذا السياق جاءت دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز إلى إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية في القمة الإسلامية الاستثنائية الأخيرة في مكة المكرمة في رمضان الماضي.
والإيسيسكو تؤيد هذه المبادرة وستنخرط فيها بشكل فاعل، وسبق لها أن وضعت إستراتيجية التقريب بين المذاهب الإسلامية شارك في إعدادها مجموعة من العلماء والفقهاء من مذاهب مختلفة، وأنشأت الإيسيسكو المجلس الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية الذي يعمل في إطار هذه الإستراتيجية، وسنتعاون مع مركز الحوار بين المذاهب الإسلامية الذي من المرتقب أن يبدأ عمله خلال الأشهر القليلة المقبلة.
ولعل ما يجري في سوريا يوضح بشكل جلي حجم التحريض الطائفي بين أبناء الشعب الواحد وفي العالم الإسلامي برمته، وهي دليل على هذه الحمى الطائفية التي يذهب ضحيتها الشعب السوري.
فالنظام السوري يقود حربًا طائفية ضد الشعب السوري تتظافر فيها قوى طائفية إقليمية وعربية وتدعمها قوى دولية لكسر إرادة الشعب السوري وقمعه وتخريب سوريا وتدميرها للإبقاء على نظام دموي ينتمي إلى طائفة صغيرة استولت على السلطة واضطهدت الأكثرية.
* الحرب كذلك مستعرة الآن في مالي، والخشية قائمة من أن يطول أمدها، كيف تقيمون تطورات الأوضاع في مالي وآثارها على المعالم العمرانية الأثرية والثقافية في هذا البلد؟
** نحن ننظر بعين الوجل والحزن إلى المسار الخطير الذي تتجه إليه الأزمة في مالي؛ حيث وجد الماليون أنفسهم وقودًا لحرب مفروضة عليهم اليوم، وبعد أن أضحت المعارك قريبة من العاصمة باماكو وتدخلت قوى أجنبية في الحرب الدائرة على الأراضي المالية، كل هذا ينذر بتوسيع نطاق الحرب وطول أمدها؛ لأن مؤيدي الجماعات الجهادية المقاتلة من أبناء الدول المجاورة قد ينضمون لنصرتها الآن في مالي، بحجة أن الهجوم على مالي جاء للتدخل في شؤون المسلمين والاعتداء عليهم.
وما يدفعني للقول بأنه كان من الخطأ السماح بالتدخل الأجنبي، وكان من الأجدر حل الأزمة من قبل القوى الإقليمية أي اعتماد حلول ذاتية قادمة من دول إفريقية. وأتمنى أن تتوقف هذه الحرب سريعًا وأن تعود الوحدة إلى جمهورية مالي الدولة العضو في منظمة الإيسيسكو، مع التأكيد الدائم على ضرورة حماية تراثها الإنساني وعدم التفريط بمصالح شعبها.
والإيسيسكو نددت بالتخريب الذي طال عددًا من المعالم الأثرية الإسلامية خاصة في مدينة تمبكتو (وسط مالي)، وأرسلنا بهذا الخصوص وفدًا من المنظمة إلى مالي للتباحث مع المسؤولين حول كيفية إنقاذ هذه المعالم الإسلامية الحضارية خاصة في تمبكتو التي تحتوي خزانتها على مخطوطات نادرة كانت الإيسيسكو قد ساهمت في ترميم عدد منها وتدريب العاملين في مجال الحفاظ عليها.
الوضع في مالي الآن في اعتقادي سيسير من سيئ إلى أسوء، ومن هذا المنطلق أدعو قادة العالم الإسلامي إلى التدخل بقوة من أجل الحفاظ على وحدة مالي وعدم تعريضها لحرب مدمرة قد تنحدر بها إلى ما وصلت إليه الصومال بسبب التدخلات الأجنبية وأخشى على جمهورية مالي من أن تصبح صومال غرب إفريقيا.
* المنظمة اعتنت بشكل كبير بمشروع الحوار بين الأديان، أين وصلتم في هذا الصدد؟ وهل تعتبرون العالم الإسلامي بحاجة لهذا المشروع لتصحيح صورته في الغرب؟
** الحوار هو السبيل الوحيد لحل الخلافات والمشاكل التي تواجهنا هنا وهناك، والتي لا تخلف غير الدمار والمحن.
والحوار البناء يفوت الفرصة على دعاة الصدام والهيمنة؛ لأنه من الواضح أن بعض القوى الغربية التي لها مصالح في المنطقة العربية الإسلامية تهتم فقط بمصالحها ولا تهتم بالمسلمين ولا بالإسلام؛ لذلك يجب أن نفوت الفرصة على هؤلاء الذين لا ينظرون سوى إلى مصالحهم لا إلى مصالح الأمة الإسلامية.
والإيسيسكو لها جهود كبيرة ومستمرة في هذا المجال ولها سفراء للحوار. وفي زيارتي الأخيرة لروما ألتقيت بعدد من المسؤولين الحكوميين الإيطاليين والدينيين في الفاتيكان وبحثنا سبل العمل على تعزيز الحوار الديني والثقافي، ومواصلة العمل لمحاربة الصور النمطية المشوهة التي تسيء إلى الأديان وإلى الرموز الدينية.
ومنظمة الإيسيسكو لها علاقات قديمة بالفاتيكان على الرغم من تحفظنا على بعض مواقفه، لكن تجمعنا به علاقات احترام متبادلة تقوم على أساس هدف مشترك هو تعميق أواصر الحوار والبحث عن النقاط المشتركة بين العالم الإسلامي والغرب، وبين المسلمين وبين أتباع الأديان الأخرى.
* الإيسيسكو اختارت مؤخرًا مدينة القدس على رأس قائمة الثراث في العالم الإسلامي، لكن التهويد يهدد المدينة، كيف تتدخلون للحفاظ على الطابع الإسلامي العربي بالقدس؟
** القدس اليوم تتعرض للتهويد، والحكومة الإسرائيلية تتمادى في مخالفة القانون الدولي والقيم الإنسانية والدينية وتمعن في إذلال الشعب الفلسطيني والاعتداء على حقوقه، ولعل اعتداء الوزير الإسرائيلي (المستقيل) "أفيغدور ليبرمان" على الحرم الإبراهيمي في الخليل أخيرا، دليل جديد على تعنت وغطرسة الكيان الصهيوني ضد المقدسات الاسلامية والمسيحية في فلسطين.
وأنا شخصيا دعيت لزيارة الأراضي الفلسطينية من قبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الشهر الماضي، لكن السلطات الإسرائيلية منعت دخولي الأراضي الفلسطينية؛ خوفا من أن نفضح الجرائم الإسرائيلية التي تستهدف المآثر والمقدسات الإسلامية والمؤسسات الثقافية والتربوية في فلسطين، لكننا مصرون على زيارة فلسطين ودعم شعبها حتى تتم إقامة دولته المستقلة.
والإيسيسكو منذ إنشائها تقوم بجهود كبيرة لدعم صمود الشعب الفلسطيني في مجالات التربية والعلوم والثقافة.
كما أنها وفي ظل الاعتداءات المتكررة على المقدسات الإسلامية في القدس وعلى المسجد الأقصى بصفة خاصة، أنشأت لجنة للخبراء الآثاريين، وهذه اللجنة ترصد الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات وخاصة في مدينة القدس الشريف، وتعد تقارير مزودة بوثائق وبصور وإحصاءات تظهر حجم هذه الاعتداءات، وقد قدمنا هذه الحقائق إلى الدول الأعضاء وإلى الهيئات الدولية، وآخر اجتماع للجنة عقدته الإيسيسكو كان في القاهرة في شهر نوفمبر/ تشرين ثان الماضي.
* كيف هي علاقات منظمة الإيسيسكو مع تركيا وحجم التعاون بين الجانبين في دعم الثقافة والتربية والعلوم في العالم الإسلامي؟
** العلاقة مع تركيا علاقة متنامية؛ فالجمهورية التركية تلعب دورا مهما في منظمة التعاون الإسلامي وفي الساحة الدولية، ونحن نفخر بالمنجزات الكبيرة التي حققتها الجمهورية التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية.
والقيادة السياسية التي توجد اليوم في تركيا قيادة وطنية حضارية تحرص على مصالح الشعب التركي والعالم الإسلامي وتنفتح على العالم بأسره بكل ثقة في النفس، واعتزاز بالانتماء الإسلامي والهوية التركية في آن معا، ونتمنى أن تنضم الجمهورية التركية إلى عضوية منظمة الإيسيسكو، لأنها دولة مهمة في الساحة الإسلامية. وقد كتبت بهذا الخصوص إلى فخامة رئيس الجمهورية "عبد الله غل" والتقيت مع سيادة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وأكدت له أن وجود تركيا ضمن عائلة الإيسيسكو - التي هي جهاز متخصص في إطار منظمة التعاون الإسلامي - سيعزز عمل المنظمة، لما تمثله تركيا من رصيد ثقافي وحضاري نعتز به ونتمنى لها التوفيق في خدمة العالم الإسلامي.
news_share_descriptionsubscription_contact
