Gökhan Çeliker, Hişam Sabanlıoğlu
07 يونيو 2026•تحديث: 07 يونيو 2026
أنقرة/ غوكخان جليكر/ الأناضول
- تأتي الانتخابات في ظل اهتمام الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي بمستقبل التوازنات في جنوب القوقاز
- الانتخابات تمثل اختبارًا لمشروع رئيس الوزراء نيكول باشينيان القائم على المصالحة الإقليمية والانفتاح على الجوار
- المعارضة تدعو للعودة إلى سياسات أكثر تشددا تجاه أذربيجان وتعزيز العلاقات مع روسيا
تتجه الأنظار اليوم الأحد إلى أرمينيا التي تشهد انتخابات برلمانية، في استحقاق يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه "اختبارًا حقيقيا" لمستقبل التحولات السياسية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وتعد الانتخابات أيضا اختبارا للمسار الذي تبناه رئيس الوزراء نيكول باشينيان بعد الهزيمة في حرب "قره باغ" الثانية عام 2020 واستعادة أذربيجان سيادتها الكاملة على إقليم قره باغ عام 2023.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، تجد أرمينيا نفسها حاليا أمام خيارين متباينين بين الاستمرار في نهج الانفتاح الإقليمي وإعادة تعريف علاقاتها مع الجوار، أو العودة إلى الخطابات السياسية التقليدية التي طبعت مرحلة ما بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي عام 1991.
ويشارك نحو 2.5 مليون ناخب في الاقتراع لاختيار أعضاء الجمعية الوطنية (101 مقعدا)، في انتخابات تشهد متابعة إقليمية ودولية مكثفة من قبل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، وسط تساؤلات حول قدرة أرمينيا على تعزيز السلام الإقليمي وتجاوز مرحلة التوترات المزمنة في جنوب القوقاز.
من الاستقلال إلى الأزمات
عقب استقلال أرمينيا عام 1991، دخلت البلاد في مرحلة اتسمت بصراعات إقليمية وتوترات مستمرة مع جيرانها، بالتزامن مع أزمات داخلية شملت الفساد وضعف المؤسسات والاحتكار الاقتصادي وتراجع فرص التنمية.
وارتبطت تلك المرحلة بسيطرة نخب سياسية عرفت باسم "مجموعة قره باغ"، التي برز منها الرئيسان السابقان روبرت كوتشاريان (1998-2008) وسيرج سركيسيان (2008-2018).
وخلال تلك السنوات، حافظت يريفان على علاقات وثيقة مع موسكو، فيما واجهت البلاد تحديات متراكمة تمثلت في ارتفاع معدلات الهجرة والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، إلى جانب أزمات متكررة تتعلق بشرعية الانتخابات والحياة الديمقراطية.
نقطة التحول.. حرب قره باغ
وصل رئيس الوزراء الحالي باشينيان إلى السلطة عام 2018، مستندًا إلى دعم شعبي واسع وبرنامج إصلاحي ركز على مكافحة الفساد والانفتاح على الغرب وتعزيز الإصلاحات الداخلية. غير أن حرب قره باغ الثانية شكلت نقطة تحول مفصلية في مسيرته السياسية.
فبعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها أرمينيا أمام أذربيجان في عامي 2020 و2023، بدأ باشينيان مراجعة شاملة للسياسات التقليدية التي اتبعتها بلاده لعقود، متجهًا نحو خطاب يقوم على الواقعية السياسية والبحث عن تسويات إقليمية طويلة الأمد.
ومنذ ذلك الحين، ركزت الحكومة الأرمينية على تعزيز فرص السلام مع أذربيجان، والانفتاح على تركيا، وتقليص الاعتماد المفرط على روسيا، إلى جانب السعي لفك العزلة الاقتصادية التي عانت منها البلاد عبر فتح طرق التجارة وتعزيز مشاريع الربط الإقليمي.
ورغم الانتقادات الحادة التي واجهها بسبب هذه التوجهات، تمكن باشينيان من الحفاظ على قاعدة شعبية مهمة، وحقق فوزًا جديدًا في انتخابات عام 2021، ما اعتبره مراقبون تفويضًا شعبيًا لمواصلة نهجه الجديد.
وفي خريف عام 2020، حقق الجيش الأذربيجاني تحولاً استراتيجياً بإطلاقه عملية "الوطن الأم" (حرب قره باغ الثانية) التي استمرت 44 يوماً وانتهت بتحرير شريحة واسعة من أراضيه بما فيها مدينة "شوشة" الأثرية.
كما تلا ذلك إطلاق باكو لعملية خاطفة في سبتمبر/ أيلول 2023 نجحت بموجبها في بسط سيادتها الكاملة والدستورية على كامل الإقليم وحل الكيان الانفصالي غير الشرعي، مما مهد الطريق لإطلاق مسار تفاوضي مباشر بين البلدين قاد لتوقيع اتفاقية سلام شاملة لتثبيت الحدود وفتح ممرات الملاحة الإقليمية.
معارضة منقسمة ورؤى متنافسة
في المقابل، تخوض المعارضة الانتخابات البرلمانية الحالية دون تحالفات واسعة، رغم اتفاق معظم أطرافها على انتقاد سياسات الحكومة الحالية.
ويبرز رجل الأعمال سامفيل كارابيتيان كأحد أبرز منافسي باشينيان، مستندًا إلى خطاب يركز على الأمن وتعزيز مؤسسات الدولة وإعادة تنشيط العلاقات مع روسيا.
كما يدعو كارابيتيان إلى سياسات أكثر تشددا في بعض الملفات المرتبطة بالعلاقة مع أذربيجان.
أما المنافس البارز الآخر فهو الرئيس السابق روبرت كوتشاريان، الذي يطرح برنامجًا يقوم على إعادة بناء الجيش وتعزيز العلاقات مع موسكو ووقف ما يصفه بـ"التنازلات" المقدمة لأذربيجان.
صراع مع الكنيسة
ولا تقتصر التوترات السياسية في أرمينيا على المنافسة الحزبية، إذ تشهد البلاد أيضًا خلافًا متصاعدًا بين الحكومة وكنيسة أرمينيا الرسولية، التي تعد إحدى أبرز المؤسسات المؤثرة في المجتمع الأرميني.
وتتهم الحكومة بعض رجال الدين بالتدخل في العمل السياسي ومحاولة التأثير على السلطة، بينما ترى أوساط كنيسية أن الحكومة تبتعد عن الثوابت الوطنية وتقدم تنازلات تمس المصالح القومية للبلاد.
وازدادت حدة الخلاف بعد توقيف عدد من الشخصيات الدينية على خلفية اتهامات تتعلق بمحاولات للإطاحة بالحكومة بطرق غير قانونية.
معركة الدستور والسلام
وتتجاوز أهمية الانتخابات البرلمانية الحالية مسألة تشكيل الحكومة المقبلة، إذ ترتبط أيضًا بإمكانية إجراء تعديلات دستورية تعتبرها أذربيجان ضرورية لإبرام اتفاق سلام نهائي بين البلدين.
وترى باكو أن بعض النصوص الواردة في الدستور الأرميني تتضمن إشارات يمكن تفسيرها على أنها تمس وحدة أراضي أذربيجان، بينما تؤكد حكومة باشينيان أن الدستور لا يشكل عائقًا أمام السلام، مع الإقرار بأن أي تعديل محتمل يحتاج إلى دعم شعبي وبرلماني واسع.
ولهذا السبب، ينظر كثير من المراقبين إلى نتائج الانتخابات بوصفها استفتاءً غير مباشر على مشروع باشينيان السياسي بأكمله، وعلى قدرة أرمينيا على الانتقال من مرحلة الصراع المزمن والعزلة الإقليمية إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستقرار والتعاون الإقليمي.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم واضح لحزب "العقد المدني" بزعامة باشينيان، إلا أن التساؤل الأهم يبقى ما إذا كان هذا التقدم سيمنحه الأغلبية الكافية للمضي في إصلاحات دستورية تعيد رسم مستقبل أرمينيا وعلاقاتها بجوارها لسنوات طويلة قادمة.