القاهرة – الأناضول
إيهاب عبده
هل آن الأوان لكي يستثمر العالم العربي في موارده البشرية بدلا من تقديم الدعم .
بهذا السؤال بدأ هانا بريكشي وياسر الجمال العاملين في البنك الدولي، كتابة مدوناتهم على الموقع الإلكيتروني للبنك في محاولة لإلقاء الضوء على أهمية الاستثمار في البشر.
وقضية إلغاء الدعم الذي تقدمه الحكومات العربية لشعوبها أصبحت من أبرز الملفات الاقتصادية التي تؤرق المسؤولين في تلك البلدان، بل وتهدد أحيانا بالإطاحة بهم إذا لم تُطبق بحرفية تامة.
وتشكو الدول العربية من زيادة التعداد السكاني سنويا إلى مستويات قياسية ما يمثل عبئا على الموازنة المالية لتلك البلدان ويدفعها إلى الاقتراض المحلي أو الخارجي.
ويُقدر عدد سكان الدول العربية بنحو 420 مليون نسمة بحسب إحصاءات غير رسمية بنهاية العام الماضي، بينما سجلت الإحصاءات الرسمية تعداد الوطن العربي بنحو 333.1 مليون نسمة في منتصف 2008.
ويقول موظفا البنك الدولي إن حكومات البلدان العربية اعتمدت تاريخيا على تقديم الدعم بغرض خفض تكلفة أسعار الوقود والمواد الغذائية باعتبار ذلك الوسيلة الرئيسية لحماية الفقراء وتقاسم الثروة. أو هكذا تقول تلك الحكومات.
غير أن المشكلة الرئيسية مع أنظمة الدعم تكمن في أنها تفيد الأغنياء أكثر مما تفيد الفقراء، كما أن للدعم آثارا جانبية سلبية حيث يتسبب في تشويه الاستهلاك والنشاط الاقتصادي على نحو غير منتج.
وتعاني المنطقة من أعلى مستويات للدعم في العالم إذ يمثل ما يقرب من 5.8% من إجمالي ناتجها المحلي. ويذهب الجانب الأعظم من هذا الإنفاق لدعم أسعار الوقود.
ويشير الموظفان بالمؤسسة الاقتصادية الدولية إلى أن هناك نماذج يمكن الاستفادة منها في إدارة التحديات التي تواجه عمليات الإصلاح من بلدان متنوعة كإيران وإندونيسيا والبرازيل، لافتين إلى ضرورة اكتساب ثقة المواطنين في أن الموارد التي يتم توفيرها من إصلاح الدعم سيتم توجيهها بالفعل لصالح الفقراء.
وتعد الأردن ومصر واليمن والعراق وسوريا من أبرز الدول العربية التي تدعم المحروقات والسلع الأساسية لمواطنيها، غير أن تلك البلدان تواجه ظغوطا حاليا لإلغاء هذا الدعم تدريجيا لإصلاح هيكلها المالي.
"تحويلات المغتربين أحد أعمدة الاقتصاد الأردني"، قال ذلك عادل إسماعيل مستشار اقتصادي بوزارة التخطيط والتعاون الدولي الأردنية في تصريحات هاتفية من عمّان لـ "الأناضول"، مفتخرا بأبناء وطنه العاملين في الخارج بعد نجاح الاستثمار فيهم.
ويرى إسماعيل أن الاستثمار في الموارد البشرية في منطقة مثل الأردن فيها فقر شديد في الموارد الطبيعية من الممكن أن يكون السبيل الوحيد لتحقيق التنمية، مشيرا إلى أن نسبة كبيرة من القوى العاملة المدربة التي يجري الاستثمار فيها تُصدر للعمل في دول الخليج والمناطق المجاورة، وبالتالي تدعم الاقتصاد الوطني بالعملة الصعبة لمساعدة الأردن في مواجهة احتياجاته التنموية.
وفى رأى إسماعيل فإن الأردن مثل رائع في مجال الاستثمار في الموارد البشرية خاصة باعتباره بلد يخلو من الموارد الطبيعية، لافتا إلى أن عائدات إلغاء الدعم يجب توظيفها في مجالات الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب وتنمية القدرات.
وأكد المستشار الاقتصادي بوزارة التخطيط الأردنية، أن الأردن بدأ في تحرير شبه كامل لأسعار المحروقات، وتزامن ذلك مع وضع نظام لحماية الفئات الأكثر فقرا والتي من الممكن أن تتضرر من رفع الدعم ما ساعد جزئيا في تمرير هذا القرار الذي يواجه حتى الآن معارضة من جهات حزبية ونقابية، لكنه يعتقد أن اتخاذ القرارات بصورة رشيدة ومدروسة يخفف من رد فعل الشارع.
وسيعقد مجلس المدراء التنفيذيين لصندوق النقد الدولي اجتماعا الأثنين المقبل 8 نيسان/ إبريل المقبل، لمطالعة تقرير خبراء بعثة الصندوق للأردن عن مراجعة الأداء الاقتصادي حتى نهاية العام الماضي، وبحث صرف مبلغ 358 مليون دولار كدفعة ثانية من خطة مساعدة أقرها الصندوق صيف العام الماضي بقيمة ملياري دولار.
ويطالب صندوق النقد الدولي عادة بإصلاحات اقتصادية للبلدان المقترضة منه، وغالبا ما تكون خطة إلغاء الدعم أحد أساسيات هذه الإصلاحات.
وقال شريف سامي، عضو مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار بمصر وخبير التنمية البشرية، إنه بصرف النظر عن قضية إلغاء الدعم فإن تنمية الموارد البشرية من القضايا المهمة فالدول تنقسم إلى دول غنية بالثروات الطبيعية وأخرى غنية بالبشر، ومصر تندرج تحت الفئة الثانية والتقدم في مؤشر التنافسية والإنتاجية يحتاج إلى تنمية القدرات البشرية.
وأضاف سامي في مقابلة هاتفية مع "الأناضول" أن مصر تعد أقل تنافسية من دول جنوب شرق آسيا بسبب إهمال العنصر البشري، مشيرا إلى أن أحد مصادر الدخل الهامة في مصر وهي تحويلات المصريين في الخارج يمكن تنميتها بتعظيم قدرات العمالة المصرية التي تفتقر إلى درجة كبيرة من المهارة.
وأكد خبير التنمية البشرية المصري أن الاستثمار في البشر يكون من خلال طريقين أحدهما طويل الأجل ويتمثل في التعليم منذ الصغر، والثاني قصير الأجل وهو عبارة عن التعليم المستمر أو ما يطلق عليه شهادات الاعتماد المهني للتدريب في مختلف المهن، بحيث يحصل العاملون على شهادة مهارة معتمدة تؤهلهم للعمل في الأسواق الداخلية والخارجية ومنافسة نظرائهم من الدول الأخرى.
وفى رأى الخبير المصري فإن البنية الأساسية للتنمية البشرية متاحة في مصر ويمكن تمويلها من المنح الخارجية، لكن الأمر يتطلب فقط إرادة قوية من الحكومة والمجتمع المدني للاهتمام بتلك القضية.
ويرى أن الحكومة عليها أن تطبق برامج لتأهيل العمال وتضع شروطا مسبقة بضرورة الحصول على مستوى معين من المهارات قبل التعيين في مؤسساتها المختلفة ما يحفز المواطنين على الالتحاق بتلك البرامج.
وأشار إلى أن ثمار هذه البرامج ستعود على الدولة من خلال ثلاثة محاور، أولها زيادة تحويلات المصريين في الخارج بعد زيادة الإقبال على العمالة المصرية، والمحور الثاني يتمثل في زيادة الصادرات المصرية بعد تحسن القطاع الصناعي، وأخيرا جذب المستثمرين الأجانب للاستفادة من العمالة المصرية المدربة.
ولفت إلى أنه لم يعد هناك إعفاءات ضريبية أو طاقة قليلة الثمن تقدم للمستثمرين الأجانب في مصر كما كان يحدث سابقا، وسيكون عنصر الجذب الوحيد لهؤلاء المستثمرين هو مدى مهارة العمالة المصرية.
وتمثل البطالة مشكلة كبيرة تواجه الاقتصاد المصري، وأظهرت أحدث الأرقام الرسمية في البلاد أن نسبة البطالة ارتفعت في الربع الأخير من العام 2012 إلى 13%، يمثلون نحو 3.5 مليون عاطل عن العمل من بين 27 مليون شخص يشكلون القوة العاملة في البلاد من بين 90 مليون نسمة تمثل تعداد السكان.
ومن صنعاء يقول ناصر صالح خبير الاقتصاد اليمني، إن زيادة السكان في العالم العربي أصبحت تمثل عقبة كبيرة وتزيد الأعباء على كاهل الحكومات وترفع فاتورة الدعم، لكنه أكد على أن تلك العقبة يمكن أن تتحول لقوة تدفع اقتصاد تلك البلدان إلى الأمام إذا ما أحسنت الحكومات إدارة مواردها البشرية.
ويؤكد صالح في مقابلة هاتفية مع "الأناضول" أن اليمن لن ينجو من فقره المدقع إلا بالاهتمام بعناصره البشرية وتصديرهم إلى الأسواق الخارجية والاستفادة من تحويلاتهم المالية.
ووفقا للإحصاءات اليمنية، ارتفعت مؤشرات الفقر في البلاد إلى نحو 35% بالإضافة إلى معاناة نحو 3.5 مليون يمني من سوء التغذية وارتفاع مستوى البطالة إلى نحو 47%.
عا - مصع
news_share_descriptionsubscription_contact
