غزة/علا عطاالله/الأناضول:
يشعر الشاب الفلسطيني معاذ يونس بالحسرة، وهو يشاهد انتشار "الحشائش الخضراء" والأزهار البرية المنتهية رؤوسها بورود لونها أصفر وأحمر، على طول السياج الفاصل بين حدود قطاع غزة وإسرائيل.
فتلك المساحات الشاسعة التي بدت شرقي قطاع غزة، أشبه بلوحة فنية، بفعل مظاهر فصل الربيع، وألوانه الزاهية، لا تمثل سوى "بؤرة للموت" كما يروي يونس (22 عاما) لوكالة الأناضول.
ويضيف يونس أنه لا مجال أمام مواقع الجيش الإسرائيلي المتمركزة، على الحدود الفاصلة مع القطاع، الاقتراب من المناظر التي تبعث على السكينة والراحة النفسية.
ويتابع: "أشتهي أنا وأصدقائي، الذهاب إلى هناك، لتناول طعام الإفطار، في الصباح الباكر، وأن نجلس على العشب الأخضر طويلا".
لكن هذه الأمنية تدخل في دائرة المستحيل بالنسبة ليونس، وغيره من آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يرغبون في الاستمتاع بمظاهر الربيع، وأسابيعه الأولى التي تزدهر فيها الورود البرية بأشكالها المتنوعة.
وتحظر القوات الإسرائيلية على سكان القطاع دخول المنطقة المحاذية للشريط الحدودي لمسافة 300 متر، وتطلق عليها اسم "المنطقة العازلة"، وتطلق النار أو تعتقل كل من يتواجد فيها.
وكاد المواطن أسعد النجار (45 عاما) أن يدفع حياته ثمنا لاقترابه من مساحات أرضية اكتست باللون الأخضر، والأزهار البرية الملونة.
ويقول النجار وهو أب لخمسة أبناء، لوكالة الأناضول، إنه أراد الاستمتاع بجمال المناطق الحدودية، فغامر بالذهاب برفقة أصدقائه وأولاده إلى جنوبي قطاع غزة، للجلوس على المساحات الخضراء الشاسعة.
ويضيف: "أردنا أن نقوم بحفلة شواء، وأن نهرب من ضجيج المباني والسكان، ولكن ما أن اقتربنا من الحقول الخضراء، حتى بدأت قوات من الجيش الإسرائيلي في إطلاق النيران صوبنا، فاضطررنا إلى الهروب فورا خوفا من الإصابة أو القتل".
ويقول مسؤولون فلسطينيون في غزة، إن قوات الجيش الإسرائيلي تطلق بشكل شبه يومي، نيران أسلحتها تجاه الأراضي على الحدود مع قطاع غزة، وهو ما يعتبره الفلسطينيون "خرقاً واضحاً" لاتفاق الهدنة.
كما يقوم الجيش الإسرائيلي على فترات متباعدة بالتوغل على الأطراف الحدودية للقطاع.
وتوصل الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي في 26 أغسطس/ آب الماضي إلى هدنة طويلة الأمد، برعاية مصرية، أوقفت حرباً إسرائيلية على قطاع غزة دامت 51 يوماً؛ ما تسبب بمقتل نحو 2200 فلسطيني، وجرح أكثر من 11 ألفا آخرين، وتدمير آلاف المنازل.
ويراود الفتى صهيب عوض 16 عاما شعورا بالأسى، وهو يقف عاجزا عن الاستجمام بما وصفها بـ"الجنة".
ويقول عوض لوكالة الأناضول، إنه يكتفي هو وعائلته التي تقطن شمالي قطاع غزة، بالقرب من الحدود، بالنظر من بعيد، إلى المشاهد الخلابة التي كونتها أزهار الربيع.
ويستدرك بحسرة: "نحن محرمون من الاستمتاع بجمال الطبيعة، وما وهبتنا إيّاه أرضنا".
والمكوث في صحراء والجلوس على رملها سيكون أفضل حالا من الذهاب إلى المناطق المملوءة بالورود، وفق المزارع الفلسطيني مروان عبيد فتلك المساحات باتت عبارة عن أماكن "الموت".
ويضيف عبيد (48 عاما)، إن ربيع قطاع غزة على الحدود محاصر بالأسلاك الإسرائيلية، والدبابات التي تطلق نيرانها بشكل شبه يومي.
ويتابع: "الوصول إلى هناك مغامرة قد تنتهي بالموت، وللأسف بدلا من أن نستمتع بأجمل المناطق، تقع أسيرة للجيش الإسرائيلي، ويحاول قتل كل من يقترب منها".
ومن أشهر الزهور التي تنتشر في تلك المناطق العازلة ما يُعرف بـاسم "شقائق النعمان"، التي تنتهي رؤوسها بورود لونها "أحمر قانٍ"، إلى جانب انتشار زهر الأقحوان "الأصفر".
وبدأ الجيش الإسرائيلي إنشاء "منطقة عازلة" على طول الحدود البرية منذ 2000، وفرضت كواقع على المزارعين منذ العام 2005 مع بدء الانسحاب من المستوطنات الاسرائيلية المتواجدة في قطاع غزة والتي عرفت فيما بعد باسم "المحررات".
وأقام الجيش الإسرائيلي المنطقة العازلة على مسافة 1500 متر، من حدود السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل، وشكلت تلك المنطقة ما نسبته 15% من مساحة قطاع غزة، و35% من مجمل الأراضي الزراعية في قطاع غزة.
وهذه المنطقة من المحظورة على الفلسطينيين دخولها، وتمتد على طول حدود قطاع غزة البرية، حيث تفرض إسرائيل سياستها هذه من خلال إطلاق النار، تجاه الأراضي الزراعية، وهو ما ظهر من خلال إصابة ومقتل عدد من المزارعين طيلة الأعوام الماضية.
ومنذ عام 2008 تحظر القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين في القطاع، دخول المنطقة المحاذية للشريط الحدودي لمسافة 300 متر، وتطلق النار أو تعتقل كل من يتواجد فيها.
ووقّعت الفصائل الفلسطينية اتفاق تهدئة مع إسرائيل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 بوساطة مصرية تم بموجبه وقف هجوم إسرائيلي على قطاع غزة استمر لمدة 8 أيام، تضمن تقليص المنطقة العازلة التي فرضتها إسرائيل إلى 100 متر، غير أن إسرائيل عادت لتستهدف المزارعين الذين يقتربون من المنطقة.
وتعتبر أراضي المنطقة العازلة من أجود أنواع الأراضي الزراعية، واشتهارها بانتشار مختلف أنواع الورود والأزهار.