محمد أبو عيطة
رفح (مصر)- الأناضول
شوارع خالية من المارة وهدوء غير معتاد لم يسبق لها أن مرت به مدينة رفح المصرية بشمال سيناء منذ 5 سنوات على الأقل، وذلك في أعقاب الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات المصرية عقب الهجوم الذي أودى بحياة 16 ضابطًا وجنديًا مصريًا من قوات حرس الحدود الأحد الماضي.
مراسل وكالة "الأناضول" للأنباء تجوّل في شوارع المدينة التي تفتقد لكافة خدمات البنية التحتية من رصف وإنارة وأرصفة، أهمها الشارع الرئيسي الذي يمتد بشكل التوائي من معبر رفح على الحدود مع قطاع غزة إلى الساحل بطول يقارب العشرة كيلومترات.
وقامت حركة حماس بإغلاق الأنفاق المحفورة في باطن الأرض والتي تصل بين المدينة وبين قطاع غزة؛ وذلك منعًا لهروب منفّذي الهجوم إلى داخل غزة.
وعلى إثر هذا الإجراء اختفت مظاهر وصول شاحنات تقل بضائع ووقود ومستلزمات بناء ومعيشة، ورحل مئات من العمال المصريين العاملين في نقل تلك المؤن، وتوقف عبور الأفراد المعتاد بين مصر والقطاع.
محمد أبو زعرب، أحد سكان المدينة، قال لمراسل وكالة "الأناضول" للأنباء، وهو يراقب حركة ثلاثة من أطفاله يلعبون بأمان في الشارع الرئيسي لرفح بعد أن خلا من حركة السيارات: "لم نكن نهنأ بالراحة، ولا نعرفها؛ فرفح بكل بيوتها وشوارعها أصبحت منطقة ترانزيت لبضائع غزة، تمر من شوارعنا الضيقة شاحنات تحمل الزلط والأسمنت والوقود، وتفرغ حمولتها أيضا هنا ليقوم العمال بإعادة نقله عبر أنفاق بعضها يتوسط البيوت وأخرى بمناطق خلاء.
كما شكا أبو زعرب من "تزاحم حركة العمال القادمين من مختلف محافظات مصر للعمل في هذا المجال، وآخرين قادمين للعبور من وإلى غزة".
وقال نعيم البطين، من أبناء رفح، إن الأنفاق "سبب العديد من المشاكل الاجتماعية والأمنية، وعلى الدولة أن تبدأ على الفور بإغلاقها، وإقامة منطقة عازلة خالية من التجمعات السكنية تحفظ للحدود هيبتها وحرمتها، فمنذ 5 سنوات يزداد الوضع الأمني سوءًا بسبب هذه الأنفاق".
ورغم سعادة يونس أبو صفرة، أحد السكان، بقرار غلق الأنفاق إلا أنه يرى أنه "من الخطورة تورط مصر بقواتها في تنفيذ هذا القرار من جانبها"، مشيرًا إلى أن مَنْ يمكنه أن يغلقها للأبد فقط هي حركة حماس (التي تسيطر على قطاع غزة) لمعرفتها بمكان وأسرار كل نفق "وهذا لن يأتي إلا باتفاق توفر فيه مصر بدائل معيشية للمهربين الذين يعتمدون على هذه الأنفاق في كسب رزقهم".
في المقابل، رفض محمد الحارون إغلاق الأنفاق وما سيتبعه من إزالة لبعض البيوت الكائنة فوقها، وقال: "الأنفاق وفرت فرص عمل لأبناء المنطقة بعد أن فشلت الحكومات المصرية السابقة في توفيرها".
وأضاف الحارون إن البديل الوحيد للأنفاق هو فتح معبر رفح لتمر البضائع المصرية منه إلى قطاع غزة، بما يضمن وجود فرص عمل جديدة.
وقال عبدالعزيز أبو شادي إنه جاء إلى رفح من صعيد مصر، ويعمل بنظام الأجرة اليومية في نقل البضائع عبر الأنفاق، وهناك المئات من الشباب من أبناء محافظته يشاركونه العمل في مناطق متفرقة من رفح لصالح ملاك الأنفاق، وكان إغلاقها بالنسبة له "مفاجأة حزينة"؛ لأنه "أغلق باب رزقه الذي قطع مئات الكيلومترات للحصول عليه".
بالمثل رفض محمد عيد، القادم من مدينة الشيخ زويد المجاورة لرفح، غلق الأنفاق، قائلا إنه وزملاءه السائقين يعملون في نقل بضائع تنتجها شركات أغذية وحلويات من القاهرة والدلتا إلى مستودعات برفح، ومن ثم يتم نقلها عبر الأنفاق، مشيرًا إلى أنه "بعد قرار الإغلاق توقف بعضنا، والآخرون يواصلون عملهم في النقل والتشوين في المخازن انتظارًا لقرار جديد بعودة الأنفاق للعمل".
وفي تقدير بسام الرميلى فإن أوضاع أنفاق رفح متباينة "فهي ليست بالشر المطلق ولا الخير المطلق، ولنعترف أن المدينة باتت تعتمد عليها في اقتصادها، وإغلاقها بدون بدائل سيشعل نارًا جديدة بين الأمن وبين مَن يقتاتون منها".
وأكد مصر أمني برفح لـ"الأناضول" أن إغلاق أنفاق رفح "لن يتم بشكل عشوائي في الوقت الحالي"، مشيرًا إلى وجود إستراتيجيات جري بحثها للتخلص منها بالتوازي مع حل سياسي وأمني وتوفير بدائل شرعية لتجارة الأنفاق ليستطيع الأمن المصري أن يواجه بقوة القانون القائمين عليها".