تونس/ عادل الثابتي/ الأناضول
الأستاذ والباحث في جامعة السوربون محمد هنيد للأناضول:
- العلم والكوفية أصبحا "رمزا للمقاومة ورمزا للصمود أمام هيمنة رأس المال، وهيمنة سلطته السياسية"
- القضية الفلسطينية تحولت إلى "رمز للرفض ولإرادة الحياة"
الصحفي والكاتب المغربي المقيم في فرنسا سفيان البالي للأناضول:
- حضور الراية الفلسطينية في احتجاجات التلاميذ يعكس مكانة القضية لدى الشباب وارتباطهم بالقضايا الإنسانية
- متابعة صور غزة وشهادات صحفييها عبر منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل وعي هذا الجيل
بين مطالب تحسين التعليم ورفض التقشف في فرنسا، يرفرف العلم الفلسطيني وتلتف الكوفية حول أعناق محتجين شباب، في مشهد تتقاطع فيه هموم المدارس والمستقبل مع صور الصمود القادمة من غزة.
وخلال احتجاجات تلمذية وطلابية جنوب غربي فرنسا،في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لفت الأنظار شاب يرفع العلم الفلسطيني، فيما ارتدى آخرون الكوفية، لتبرز الرموز الفلسطينية وسط شعارات تتصل بالتعليم والعدالة الاجتماعية.
ومن الوجوه البارزة في الحراك التلميذ الفرنسي "إيلوان بنوا"، البالغ 17 عاما، الذي يحرص على الظهور بالكوفية الفلسطينية، في تعبير عن حضور القضية لدى جيل تشكل جانب من وعيه على وقع حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
ويرى أستاذ وباحث جامعي وصحفي مقيم في فرنسا، في حديثين للأناضول، أن هذا الحضور يتجاوز التضامن، ليعكس تحول فلسطين إلى رمز يلهم الحركات المطلبية ويربط احتجاجاتها المحلية بقضايا التحرر والحقوق الإنسانية.
** مطالب متراكمة
وانطلقت موجة الاحتجاجات في 17 سبتمبر/أيلول 2026 من ثانوية "سانت إكزوبيري" بمدينة كريتاي بضواحي باريس، على خلفية مطالب بتحسين ظروف التعليم، قبل اتساعها أواخر سبتمبر/أيلول ومطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وتتمحور المطالب حول نقص المعلمين وغياب البدلاء، واكتظاظ الفصول وتهالك المباني المدرسية، فضلا عن الاعتراض على منصة القبول الجامعي "باركورسيب" وما تثيره لدى التلاميذ من قلق بشأن فرص الالتحاق بالجامعات.
ومع دخول نقابات عمالية وموظفي الخدمة العامة على خط التعبئة، اتسعت المطالب لتشمل رفض خفض الإنفاق على التعليم والخدمات العامة، وتحسين الأجور والقدرة الشرائية والمنح الدراسية.
كما أسهم التعامل الأمني مع الاحتجاجات واحتجاز تلاميذ وإصابة بعضهم في تأجيج الغضب، وتقريب المطالب الطلابية من الاحتجاجات النقابية والاجتماعية الأوسع.
وفي هذا السياق، جاءت الراية الفلسطينية والكوفية لتضيفا بعدا تضامنيا ورمزيا إلى مطالب تعليمية ومعيشية تشكل أساس الحراك.
** رمز للمقاومة
الأستاذ والباحث في جامعة السوربون محمد هنيد يقول للأناضول إن الراية الفلسطينية حضرت في أغلب الاحتجاجات التلمذية، وأمام الجامعات الفرنسية، وكذلك في التحركات العمالية والاجتماعية.
ويضيف أن العلم والكوفية أصبحا "رمزا للمقاومة ورمزا للصمود أمام هيمنة رأس المال، وهيمنة سلطته السياسية".
ويوضح هنيد أن الرموز الفلسطينية لم تعد حكرا على الحركات اليسارية وأقصى اليسار، التي ساندت تاريخيا الحق الفلسطيني، بل اتسع حضورها ليشمل شبابا يتبنونها باعتبارها تعبيرا عن حق تقرير المصير وقدرة الإنسان على مواجهة قوة تفوقه.
ويرى أن المحتجين يجدون في الصمود الفلسطيني ما يعبر عن مواجهتهم لسياسات يعتبرونها مقيدة للحريات ومكرسة للتهميش، وعن رفضهم الفساد وتبديد الثروات.
وميز بين العلم الفلسطيني بوصفه رمزا قانونيا ومؤسساتيا، والكوفية باعتبارها رمزا تاريخيا للمقاومة في مواجهة الاستعمار ومختلف أشكال الهيمنة.
وبحسب قراءته، فإن انتقال هذين الرمزين إلى ساحات الاحتجاج يعكس تقاطعا بين الدفاع عن الحقوق الفلسطينية ومطالب الشباب الاجتماعية.
** درس الصمود
ويعتبر هنيد أن الصمود الفلسطيني منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 قدم درسا عالميا في قدرة شعب أعزل، وخاصة في غزة، على مواجهة آلة عسكرية تدعمها الولايات المتحدة ودول أوروبية، بينها فرنسا.
وقال إن قدرة الفلسطينيين على الصمود تلهم التلاميذ، وتمنحهم شعورا بأن تفاوت القوة مع السلطة لا يحول دون المقاومة والتمسك بالمطالب.
ويضيف هنيد أن القضية الفلسطينية تحولت إلى "رمز للرفض ولإرادة الحياة"، وأن التلاميذ والطلبة استخدموا شعاراتها رافعة لاحتجاجاتهم.
وشهدت مختلف عواصم ومدن العالم منذ أكتوبر 2023 وحتى عام 2026 موجة احتجاجات عالمية غير مسبوقة تضامنا مع قطاع غزة، تنديدا باستمرار الحرب والمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية.
واتسعت رقعة هذه المظاهرات لتشمل ملايين المحتجين في مدن كبرى مثل لندن، وباريس، ونيويورك، وواشنطن، وجاكارتا، حيث رُفعت الأعلام الفلسطينية وصحبتها شعارات تطالب بإنهاء الاحتلال ووقف الدعم العسكري لإسرائيل.
ويرى هنيد أن شدة الاستجابة الأمنية تعكس خشية السلطة من اتساع الحراك، لكنها أسهمت، وفق تقديره، في توسيع التعبئة وتحويل تحركات بدأت في بعض الثانويات إلى حركة اجتماعية أوسع.
ويشير إلى أن هذا الإلهام يتجاوز فرنسا، مستشهدا بتحركات طلابية في جامعات أمريكية عريقة، بينها كولومبيا وهارفارد، دعما للحقوق الفلسطينية.
وبالنسبة لهنيد، يكتسب هذا التحول أهمية مستقبلية، لأن الشباب المشاركين فيه قد يصبحون لاحقا في مواقع القرار، بما ينعكس على الوعي الاجتماعي والسياسات وصناديق الاقتراع.
ويرى أن تأثير هذه الموجة يتجاوز نتائج الاحتجاجات المباشرة، ليترك أثرا في مواقف أجيال صاعدة من فلسطين ومن السياسات الغربية تجاهها.
** وعي يتشكل
من جانبه، يعتبر الصحفي والكاتب المغربي المقيم في فرنسا سفيان البالي أن حضور الراية الفلسطينية في احتجاجات التلاميذ يعكس مكانة القضية لدى الشباب وارتباطهم بالقضايا الإنسانية.
ويقول البالي للأناضول إن وعي هذا الجيل تبلور منذ 7 أكتوبر 2023 على وقع الإبادة في غزة والجدل بشأن الموقف الفرنسي منها.
ويضيف أن مظاهرات التضامن في باريس استقطبت آلاف المشاركين، وكان أغلبهم، وفق ملاحظته، فرنسيين من خارج الجاليات العربية، رددوا شعارات تتهم إسرائيل بالقتل والرئيس إيمانويل ماكرون بالشراكة.
ويوضح البالي أن متابعة صور غزة وشهادات صحفييها عبر منصات التواصل الاجتماعي أسهمت في تشكيل هذا الوعي، وجعلت حضور العلم والكوفية في الاحتجاجات امتدادا طبيعيا له.
ويصف ذلك بأنه استمرار لوعي أممي يرى أن "فلسطين هي بوصلة كل حر"، ويربط حقوق الفلسطينيين بمختلف قضايا التحرر.
ويرى البالي أن اتساع الحراك نحو الأوساط العمالية يستحضر احتجاجات مايو/أيار 1968، ويضع فرنسا أمام احتمالات تحول سياسي واجتماعي.
وشكلت احتجاجات مايو 1968 أضخم انتفاضة اجتماعية وهزة سياسية في تاريخ فرنسا الحديث، حيث بدأت كحراك طلابي عفوي ثم تطورت لتتحول إلى إضراب عمالي عام شلّ البلاد بالكامل، وأدى في النهاية إلى تغييرات جذرية في المجتمع الفرنسي وسقوط الحكومة لاحقا.
ولفت البالي إلى أن القضية الفلسطينية تقع في قلب التنافس السياسي بين يسار داعم للحقوق الفلسطينية، يبرز فيه جان لوك ميلانشون، ويمين متطرف وصفه بأنه قريب من الحكومة الإسرائيلية.
ومنذ بدء الإبادة الجماعية في أكتوبر 2023، قتلت إسرائيل أكثر من 74 ألف فلسطيني وأصابت ما يزيد على 175 ألفا، ودمرت نحو 90 بالمئة من البنية التحتية.
news_share_descriptionsubscription_contact
contact_the_ombudsman
is_there_an_error_in_this_story
