بولا أسطيح
بيروت– الأناضول
"أنا امرأة فلسطينية سورية، كنت مدرسة للغة الإنجليزية في إحدى مدارس مدينة حلب، والآن أنا قناصة في كتيبة الوعد بجبهة صلاح الدين في الجيش السوري الحر، أحرس الشوارع المحررة في المدينة، وقتلت عددًا من جنود النظام".
هكذا تعرّف "جيفارا" نفسها وهي تتجول في أحد شوارع حلب مرتدية بزة عسكرية، حجابها على رأسها، وفي يدها بندقيتها.
كل المقاتلين في حلب، شمال سوريا، يعرفون هذه السيدة (36 عامًا) التي تطلق على نفسها الاسم المستعار جيفارا، تماما كما يعرفها السكان والنظام السوري، الذي عرضت وسائل إعلامه، بحسب جيفارا، تقارير عنها وعمّمت اسمها الحقيقي للقضاء عليها.
وتقول القناصة، في اتصال هاتفي مع مراسلة وكالة الأناضول: "لا يهمني الأمر، خسرت طفلاي صبي (7 سنوات) وفتاة (10 سنوات) في غارة جوية على منزلنا، ومعهم عدد كبير من أقاربي، وها أنا اليوم أحارب مع زوجي قائد كتيبة الوعد والذي علّمني فنون القتال التي بت أعشقها".
وتضيف: "كلما قتل أحد زملائي في الكتيبة أو أحد معارفي زدت إصرارًا على التمسك بالسلاح باعتباره الحل الوحيد لإسقاط النظام".
فنون القتال لم تكتسبها جيفارا حديثًا، مع اندلاع الثورة السورية قبل سنتين، بل كانت معلمة اللغة تتدرب وتجهّز نفسها بتدريبات سرية على اللياقة البدنية وحمل السلاح الخفيف، لعلمها أنّه "سيأتي وقت التحرر من حزب البعث الديكتاتوري المجرم"، بحسب ما تقول.
وتوضح أنه "خلال السنوات الـ15 التي قضيتها في تدريس اللغة الإنجليزية في إحدى مدارس حلب، كنت أجهز لهذه المرحلة من حياتي، وكأنني كنت أعرف أنّها حتما آتية، وباعتبار أن زوجي مقاتل شرس فقد جعلني أعشق القتال والجهاد".
وتستمر في روايتها عن زوجها قائلة: "أحب رصده للأهداف وطريقة قضائه عليها، تبنى رغبتي ودربني بشكل جيد وها أنا اليوم في ساحة المعركة، أحرس شوارع حلب المحررة التي أتعامل معها كجزء مني باعتبار أن مئات الشهداء قتلوا لتحريرها، وبالتالي من واجبي اليوم حراستها برموش العين وقد قتلت أكثر من جندي نظامي حاولوا التسلل إليها".
ولا تنكر جيفارا أنّها واجهت بعض الصعوبات باعتبارها المرأة الوحيدة القناصة في حلب، فقد كانت في بادئ الأمر ترفض الإفصاح عن طبيعة عملها، وتتجول على أنّها إعلامية.
وتتابع: "هكذا عرفني الجميع في بادئ الأمر قبل اندلاع المواجهات المسلحة في حلب، حيث كنت أشرف على تنظيم المظاهرات السلمية الطلابية، وغيرها بحكم عملي كمدرسة، ولكن وبعد مرور الأيام، وتحول العمل الثوري في حلب لعمل مسلح، تحولت إلى قناصة سرية، حتى افتضحت هويتي في المنطقة".
أما رفاق السلاح فأقنعتهم "جيفارا" بوجوب نزول المرأة إلى الميدان، مذكرة إيّاهم بأن الرسول محمد خاتم الأنبياء، كان يصطحب معه النساء في الغزوات للاهتمام بالجرحى ومن هذا المنطلق نجحت بكسب ودّ قسم كبير منهم.
وعن سبب اختيار اسمها المستعار تقول: "أما لقب جيفارا فاخترته بنفسي باعتبار أننا في ثورة وقد بحثت عن لقب متميز اعتاد العالم على سماعه وشكّل رمزًا للشخصية المقاومة فكان جيفارا".
و"ارنستو تشي جيفارا" (1928 - 1967) المعروف باسم جيفارا، ثوري كوبي أرجنتيني المولد، أحد الشخصيات الرئيسية بقيادة الثورة الكوبية في خمسينيات القرن الماضي، وأصبح اسمه وصورته منذ مقتله (في عملية استخباراتية أمريكية بوليفية) رمزًا من أشهر رموز الثورة بالعالم.
يطول الحديث مع المعلمة القناصة "جيفارا" ويعود إلى فلسطين، فهي ومع انتصار الثورة في سوريا، تعتبر أن وجهتها التالية ستكون فلسطين، قائلة: "بلادي أولى بي بعد أن نحقق النصر في سوريا ودلال المغربي قدوتي".
ودلال المغربي فتاة فلسطينية ولدت عام 1958 في مخيم صبرا للاجئين القريب من بيروت، من أم لبنانية وأب فلسطيني، شاركت بعملية عسكرية في إسرائيل في مارس/آذار 1978 مع مجموعة قامت باختطاف حافلة كانت متوجهة من حيفا (شمال غرب) إلى تل أبيب وقُتلت في تلك العملية.
وبين الركام وعلى أصوات سقوط القذائف تحاول "جيفارا" أن تبدو متماسكة ليتم التقاط صورة لها لكن مأساتها أكبر من أن تخفيها ملامح القسوة التي صبغت وجهها حديثا، كأم فقدت طفليها تقاتل من أجل سوريا وعينها على فلسطين.