يوسف عدولة - الموفد الخاص للأناضول إلى شمال مالي
غاو (شمال مالي) - الأناضول
على مدخل مدينة غاو، شمال مالي، تجمع المئات من المنتسبين لحركة "التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا"، التي تسيطر على المدينة، استعدادًا للتصدي لأي هجوم تشنّه القوات الفرنسية التي بدأت عمليات عسكرية على شمال مالي بداية الشهر الجاري.
وفي إفادات خاصة للموفد الخاص لوكالة الأناضول للأنباء إلى شمال مالي، توعّد مسلحون من الحركة وسكان محليون بـ"التصدي بحزم" لأي هجوم تتعرّض له المدينة من قبل القوات الفرنسية المالية المدعومة، مشددين على أن مدينتهم ستكون "مقبرة للفرنسيين".
وبحسب جولة أجراها مراسل الأناضول، أمس، في مدينة غاو، تمركزت دبابتان تابعتان لحركة التوحيد والجهاد ترفعان رايات سوداء عند بوابة المدينة باتجاه الجسر القاطع للنهر الذي يصب في دولة النيجر.
وفي تصريحات لمراسل الأناضول، تحدث قيادي من الحركة عرّف نفسه باسم "أبو ميسرة عبد الحكيم الجزائري"، عن الوضع الراهن في غاو، قائلا: "الحمد لله، كل الناس اليوم مجندون، ويسعون لقتال المحتل الصليبي ومن والاهم من الأفارقة الوثنيين"، على حد قوله.
وأضاف: "أقولها لفرنسا وحلفائها، لقد انتهى عهد الحملات الصليبية، فلن تخيفنا طائراتك ولا جيوش عبيد الدولار".
وتابع: "نسأل العالم الذي يتشدق بالحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان: ما ذنب هذا الشعب الذي اجتمعت كل جيوش الدنيا لقتاله وقتال هذه الفئة المؤمنة التي تريد تحكيم شرع الله في الأرض؟"
وفي الجانب الآخر من المدينة وبالتحديد في المنطقة الرابعة حيث تتواجد القنصلية الجزائرية ومقر إقامة عائلات البعثة الدبلوماسية الجزائرية، التي عرفت اختطاف القنصل الجزائري وستة من طاقمه العامل معه في أبريل/نيسان الماضي، تم نزع الرايات السوداء من البنايتين، وأي لافتة أخرى تشير إلى استعمال عناصر حركة التوحيد والجهاد لهذه المقرات.
كما انتشر مقاتلو الحركة في عدد من شوارع وأزقة المدينة، حاملين رشاشات آلية وقاذفات من طراز "ستينغر" و"آر.بي.جي"، فيما تمركز قناصة على أسطح عدد من البنايات وبأيديهم بنادق قناصة.
وفي متجر للمواد الغذائية، الذي لم يبق فيه إلا القليل من السلع التي قاربت على انتهاء صلاحيتها للاستهلاك البشري، كان صاحبه من العرب المولودين في مدينة غاو، سألناه عن الوضع في المدينة.
في البداية، تحفظ صاحب المتجر على الحديث بسبب ما وصفه بـ "الخوف من الانتقام" من الأطراف التي قد لا يعجبها حديثه أو رأيه فيها، لكنه تشجّع بعدها - مشددًا على عدم الكشف عن هويته – وقال: "لقد مللنا من الحرب والمشاكل طوال كل هذه السنين".
وأضاف: "أما عن سؤالك عن رأيي ورأي الأغلبية هنا حول تطبيق الشريعة، فأقول: نعم نحن مع تطبيق الشريعة الإسلامية، لقد جربنا الكثير من الأنظمة الوضعية والقوانين الأوربية وتحاكمنا إليها عند خصوماتنا وفي تنظيم حياتنا، لكن الآن لما جاء من يدعونا لتطبيق الشريعة: أتريدون منا أن نرفض ذلك؟ كلا وألف كلا فنحن قبل كل شيء مسلمين".
وتابع: "هؤلاء الشباب الذين جاؤوا إلى أرضنا نعرف العديد منهم، هم من أبناء جلدتنا، وبعضهم الآخر من الأجانب أو ما يطلقون على أنفسهم بالمهاجرين، الذين جاؤوا لمؤازرة الأنصار وجماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، ولن نخذلهم في التصدي للفرنسيين وحلفائهم من الزنوج النصارى الذين يرتكبون المجازر في كل قرية يمرون عليها، وسنجعل مدينة غاو مقبرة في الصحراء للفرنسيين ومن حالفهم ضد هذا الشعب الأعزل".
سكان آخرون، كان لهم نفس الرأي والتوجه، بل بلغ البعض بهم للانخراط والانتماء لـ"مجموعات المجاهدين" كما يطلق عليهم السكان المحليون، حيث حمل العشرات منهم الأسلحة الرشاشة على شكل مجموعات يقودها ويشرف عليها مقاتل متمرس من جماعة التوحيد والجهاد، لتوجيههم والحيلولة دون وقوع تجاوزات في حق الغير.
يذكر أنه مع وجود فراغ في السلطة أدى إلى الانقلاب العسكري في شهر مارس/آذار الماضي، انتشرت حالة من العصيان المدني في مالي بدأت في شمال البلاد منذ نحو عام وانضم أكثر من نصف البلاد إلى الجماعات المسلحة في الشمال.
ونتيجة لجهود فرنسا المكثفة، أعطى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للقوات العسكرية المشتركة لدول غرب أفريقيا (إيكواس) حق التدخل العسكري ضد الجماعات المتمركزة في الشمال. غير أن فرنسا بدأت التدخل العسكري في 12 يناير/ كانون الثاني الجاري بناءً على استدعاء حكومة مالي، وذلك قبل الموعد المتوقع في سبتمبر المقبل.
وتدعم عدة دول غربية فرنسا وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على عدة مستويات مثل المساعدات اللوجستية، وتبادل المعلومات وعمليات نقل الجنود والعتاد.
وترغب أكبر ثلاث جماعات مسلحة مسيطرة على شمال مالي وهي جماعة أنصار الدين، والتوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، في تأسيس نظام بالبلاد يستند إلى معتقدات دينية.